وفي هذه الآيات الأخيرة تسرية عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - مما يجده في نفسه من ضيق بهذا التكذيب لما معه من الحق،وبهذا العناد الصفيق بعد تكرار البيان والإعلام.وذلك بما يقرره له ربه من أن إباءهم الهدى لم يكن عن تقصير منه في الجهد.ولا قصور فيما معه من الحق.ولكن هؤلاء كالصم العمي.
وما يفتح الآذان والعيون إلا اللّه.فهو شأن خارج عن طبيعة الدعوة والداعية داخل في اختصاص اللّه.
وفيها كذلك تحديد حاسم لطبيعة العبودية ومجالها - حتى ولو تمثلت في شخص رسول اللّه.فهو عبد من عباد اللّه لا قدرة له خارج مجال العبودية.والأمر كله للّه.
بعد ذلك يلمس وجدانهم لمسة خاطفة بمشهد من مشاهد القيامة،تبدو فيه الحياة الدنيا التي تزحم حسهم،وتشغل نفوسهم،وتأكل اهتماماتهم ..رحلة سريعة،قضاها الناس هناك،ثم عادوا إلى مقرهم الدائم ودارهم الأصيلة.
« وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ.قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ،وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» ..
وفي هذه الجولة الخاطفة ننظر فإذا المحشورون مأخوذون بالمفاجأة،شاعرون أن رحلتهم الدنيوية كانت قصيرة قصيرة،حتى لكأنها ساعة من نهار قضوها في التعارف،ثم أسدل الستار.
أو هذا مجرد تشبيه لهذه الحياة الدنيا،وللناس الذين دخلوا ثم خرجوا،كأن لم يفعلوا شيئا سوى اللقاء والتعارف؟
إنه لتشبيه،ولكنه حق اليقين وإلا فهل ينتهي البشر في هذه الأرض من عملية التعارف؟ إنهم يجيئون ويذهبون وما يكاد أحدهم ينتهي من التعرف إلى الآخرين،وما تكاد الجماعة فيهم تنتهي من التعرف إلى الجماعات الأخرى.ثم يذهبون.
وإلا فهل هؤلاء الأفراد الذين يتنازعون ويتعاركون ويقع من سوء التفاهم بينهم وبين بعضهم في كل ساعة ما يقع ...هل هؤلاء تم تعارفهم كما ينبغي أن يكون؟
وهذه الشعوب المتناحرة،والدول المتخاصمة - لا تتخاصم على حق عام،ولا على منهج سليم،إنما تتعارك على الحطام والأعراض - هذه.هل عرف بعضها بعضا؟ وهي ما تكاد تفرغ من خصام حتى تدخل في خصام.
إنه تشبيه لتمثيل قصر الحياة الدنيا.ولكنه يصور حقيقة أعمق فيما يكون بين الناس في هذه الحياة ..ثم يرحلون!
وفي ظل هذا المشهد تبدو الخسارة الفادحة لمن جعلوا همهم كله هو هذه الرحلة الخاطفة،وكذبوا بلقاء اللّه،وشغلوا عنه واستغرقوا في تلك الرحلة - بل تلك الومضة - فلم يستعدوا لهذا اللقاء بشيء يلقون