فهرس الكتاب
كان مصير الأولين ليعرف حقيقة مصير الآخرين: «كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ،فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ» ..وإذا كان أكثرهم لا يتبعون إلا الظن،ويكذبون بما لم يحصل لهم عنه علم،فإن هناك منهم من يؤمن بهذا الكتاب،فليسوا جميعهم من المكذبين: « وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ.وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ» ..والمفسدون هم الذين لا يؤمنون.وما يقع الفساد في الأرض كما يقع بضلال الناس عن الإيمان بربهم والعبودية له وحده.وما نجم الفساد في الأرض إلا من الدينونة لغير اللّه،وما يتبع هذا من شر في حياة الناس في كل اتجاه.شر اتباع الهوى في النفس والغير وشر قيام أرباب أرضية تفسد كل شيء لتستبقي ربوبيتها المزيفة ..
تفسد أخلاق الناس وأرواحهم وأفكارهم وتصوراتهم ..ثم تفسد مصالحهم وأموالهم.في سبيل بقائها المصطنع الزائف.وتاريخ الجاهلية في القديم والحديث فائض بهذا الفساد الذي ينشئه المفسدون الذين لا يؤمنون.
ويعقب على تقرير مواقفهم من هذا الكتاب بتوجيه الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - بألا يتاثر بتكذيب المكذبين،وأن ينفض يديه منهم،ويعلنهم ببراءته من عملهم،ويفاصلهم على ما معه من الحق في وضوح وفي حسم وفي يقين: «وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ:لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ.أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ،وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ» .وهي لمسة لوجدانهم،باعتزالهم وأعمالهم،وتركهم لمصيرهم منفردين،بعد بيان ذلك المصير المخيف.
وذلك كما تترك طفلك المعاند الذي يأبى أن يسير معك،في وسط الطريق وحده يواجه مصيره فريدا لا يجد منك سندا.وكثيرا ما يفلح هذا الأسلوب من التهديد!
ويمضي السياق يستعرض حال بعضهم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم يستمعون إليه بآذانهم وقلوبهم مغلقة.وينظرون إليه بعيونهم وبصيرتهم مطموسة،فلا يئوبون من السمع والنظر بشيء،ولا يهتدون إلى الطريق: « وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ.أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ.أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ؟» .
إن هؤلاء الخلائق الذين يستمعون ولا يعقلون ما سمعوا،وينظرون ولا يميزون ما نظروا ..إن هؤلاء لكثير،في كل زمان وفي كل مكان.والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يملك لهم شيئا.لأن حواسهم وجوارحهم مطموسة الاتصال بعقولهم وقلوبهم،فكأنها معطلة لا تؤدي حقيقة وظيفتها.والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يسمع الصم،ولا يبصر العمي.فذلك من شأن اللّه وحده عز وجل.واللّه سن سنة وترك الخلق لمقتضى السنة.وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ليهتدوا بها فإذا هم عطلوها حقت عليهم سنته التي لا تتخلف ولا تحابي،ولقوا جزاءهم عدلا،ولم يظلمهم اللّه شيئا: «إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا،وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» ..