والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون.ويحل بأس اللّه بالمجرمين،مدمرا ماحقا لا يقفون له،ولا يصده عنهم ولي ولا نصير.
ذلك كي لا يكون النصر رخيصا فتكون الدعوات هزلا.فلو كان النصر رخيصا لقام في كل يوم دعيّ بدعوة لا تكلفه شيئا.أو تكلفه القليل.ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثا ولا لعبا.فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج،ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء.والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة،لذلك يشفقون أن يدّعوها،فإذا ادّعوها عجزوا عن حملها وطرحوها،وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون الذين لا يتخلون عن دعوة اللّه،ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة!
إن الدعوة إلى اللّه ليست تجارة قصيرة الأجل إما أن تربح ربحا معينا محددا في هذه الأرض،وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحا وأيسر حصيلة! والذي ينهض بالدعوة إلى اللّه في المجتمعات الجاهلية - والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير اللّه بالطاعة والاتباع في أي زمان أو مكان - يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة،ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل! إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال ويملكون استخفاف الجماهير حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود! ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى اللّه،باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى اللّه يريدون حرمانها من هذه الشهوات! ..ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى اللّه كثيرة التكاليف،وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثير التكاليف أيضا.وأنه من ثم لا تنضم إليها - في أول الأمر - الجماهير المستضعفة،إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله،التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة،وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا.وأن عدد هذه الصفوة يكون دائما قليلا جدا.
ولكن اللّه يفتح بينهم وبين قومهم بالحق،بعد جهاد يطول أو يقصر.وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين اللّه أفواجا. [1]
قال رحمه الله:"ونقف مرة أخرى أمام قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً،وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» .."
فنجد أمرا بقتال الذين يلون المسلمين من الكفار.لا يذكر فيه أن يكونوا معتدين على المسلمين ولا على ديارهم ..وندرك أن هذا هو الأمر الأخير،الذي يجعل «الانطلاق» بهذا الدين هو الأصل الذي
(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [4 /2035]