الثابثة،ليظل على يقين أن هواه لم يخدعه،ولم يضلله،كي لا يقوده الهوى إلى المهلكة،ولا يحق عليه قدر اللّه فيمن يجعل إلهه هواه.وبذلك يظل قريبا من اللّه،يهتدي بهديه،ويستضيء بالنور الذي أمده به في متاهات الطريق! ومن ثم فلا نهاية لما يملك هذا الإنسان أن يصل إليه من تزكية النفس وتطهيرها،وهو يغتسل في نور اللّه الفائض،ويتطهر في هذا العباب الذي يتدفق حوله من ينابيع الوجود ..بعد ذلك يعرض نموذجا من نماذج الخيبة التي ينتهي إليها من يدسي نفسه،فيحجبها عن الهدى ويدنسها.
ممثلا هذا النموذج فيما أصاب ثمود من غضب ونكال وهلاك: « كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [1] (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15) » ..
وقد وردت قصة ثمود ونبيها صالح - عليه السلام - في مواضع شتى من القرآن.وسبق الحديث عنها في كل موضع.وأقربها ما جاء في هذا الجزء في سورة «الفجر» فيرجع إلى تفصيلات القصة هناك.
فأما في هذا الموضع فهو يذكر أن ثمود بسبب من طغيانها كذبت نبيها،فكان الطغيان وحده هو سبب التكذيب.وتمثل هذا الطغيان في انبعاث أشقاها.وهو الذي عقر الناقة.وهو أشدها شقاء وأكثرها تعاسة بما ارتكب من الإثم.وقد حذرهم رسول اللّه قبل الإقدام على الفعلة فقال لهم.احذروا أن تمسوا ناقة اللّه أو أن تمسوا الماء الذي جعل لها يوما ولهم يوما كما اشترط عليهم عند ما طلبوا منه آية فجعل اللّه هذه الناقة آية - ولا بد أنه كان لها شأن خاص لا نخوض في تفصيلاته،لأن اللّه لم يقل لنا عنه شيئا - فكذبوا النذير فعقروا الناقة.والذي عقرها هو هذا الأشقى.ولكنهم جميعا حملوا التبعة وعدوا أنهم عقروها،لأنهم لم يضربوا على يده،بل استحسنوا فعلته.وهذا مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسية في التكافل في التبعة الاجتماعية في الحياة الدنيا.لا يتعارض مع التبعة الفردية في الجزاء الأخروي حيث لا تزر وازرة وزر أخرى.على أنه من الوزر إهمال التناصح والتكافل والحض على البر والأخذ على يد البغي والشر.
عندئذ تتحرك يد القدرة لتبطش البطشة الكبرى: «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها» ..
والدمدمة الغضب وما يتبعه من تنكيل.واللفظ ذاته .. «دمدم» يوحي بما وراءه،ويصور معناه بجرسه،ويكاد يرسم مشهدا مروعا مخيفا! وقد سوى اللّه أرضهم عاليها بسافلها،وهو المشهد الذي يرتسم بعد الدمار العنيف الشديد ..
(1) - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ،قَالَ:سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،يَذْكُرُ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَهَا،فَقَالَ:""إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا"انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَارِمٌ عَزِيزٌ فِي رَهْطِهِ مَنِيعٌ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ".تفسير ابن أبي حاتم [10 /497] ( 16659) صحيح