فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 4997

بالحركات الحائرة التي يخيل إليك معها أنهم هاربون تطاردهم الأشباح! ونظرة إلى صورهم في الأوضاع العجيبة المتكلفة التي يظهرون بها:من مائلة برأسها،إلى كاشفة عن صدرها،إلى رافعة ذيلها،إلى مبتدعة قبعة غريبة على هيئة حيوان! إلى واضع رباط عنق رسم عليه تيتل أو فيل! إلى لابس قميص تربعت عليه صورة أسد أو دب! ونظرة إلى رقصاتهم المجنونة،وأغانيهم المحمومة،وأوضاعهم المتكلفة وأزيائهم الصارخة في بعض الحفلات والمناسبات ومحاولة لفت النظر بالشذوذ الصارخ،أو ترضية المزاج بالتميز الفاضح ..

ونظرة إلى التنقل السريع المحموم بين الأهواء والأزواج والصداقات والأزياء بين فصل وفصل،لا بل بين الصباح والمساء! كل أولئك يكشف عن الحيرة القاتلة التي لا طمأنينة فيها ولا سلام.ويكشف عن حالة الملل الجاثم التي يفرون منها،وعن حالة «الهروب» من أنفسهم الخاوية وأرواحهم الموحشة،كالذي تطارده الجنة والأشباح.وإن هو إلا عقاب اللّه،لمن يحيد عن منهجه،ولا يستمع لدعوته: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً» ..

وإن الإيمان الواثق لنعمة اللّه على عباده،لا يبدلها مبدل حتى يحيق به ذلك العقاب ..والعياذ باللّه ..

الدرس الرابع:212 ميزان المؤمنين وميزان الكفار في وزن القيم والأشخاض

وفي ظل هذا التحذير من التلكؤ في الاستجابة،والتبديل بعد النعمة،يذكر حال الذين كفروا وحال الذين آمنوا ويكشف عن الفرق بين ميزان الذين كفروا وميزان الذين آمنوا للقيم والأحوال والأشخاص: «زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا،وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا،وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ،وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» ..

لقد زينت للذين كفروا هذه الحياة الدنيا بأعراضها الزهيدة،واهتماماتها الصغيرة.زينت لهم فوقفوا عندها لا يتجاوزونها ولا يمدون بأبصارهم إلى شيء وراءها ولا يعرفون قيما أخرى غير قيمها.والذي يقف عند حدود هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن يسمو تصوره إلى تلك الاهتمامات الرفيعة التي يحفل بها المؤمن،ويمد إليها بصره في آفاقها البعيدة ..إن المؤمن قد يحتقر أعراض الحياة كلها لا لأنه أصغر منها همة أو أضعف منها طاقة،ولا لأنه سلبي لا ينمي الحياة ولا يرقيها ..ولكن لأنه ينظر إليها من عل - مع قيامه بالخلافة فيها،وإنشائه للعمران والحضارة،وعنايته بالنماء والإكثار - فينشد من حياته ما هو أكبر من هذه الأعراض وأغلى.

ينشد منها أن يقر في الأرض منهجا،وأن يقود البشرية إلى ما هو أرفع وأكمل،وأن يركز راية اللّه فوق هامات الأرض والناس،ليتطلع إليها البشر في مكانها الرفيع،وليمدوا بأبصارهم وراء الواقع الزهيد المحدود،الذي يحيا له من لم يهبه الإيمان رفعة الهدف،وضخامة الاهتمام،وشمول النظرة.

وينظر الصغار الغارقون في وحل الأرض،المستعبدون لأهداف الأرض ..ينظرون للذين آمنوا،فيرونهم يتركون لهم وحلهم وسفسافهم،ومتاعهم الزهيد ليحاولوا آمالا كبارا لا تخصهم وحدهم،ولكن تخص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت