وبهذه القواعد الثلاث يرسم القرآن ميزان العدالة الذي يحاسب كل فرد على ما اجترح.ولا يدع المجرم يمضي ناجيا إذا ألقى جرمه على سواه ..وفي الوقت ذاته يفتح باب التوبة والمغفرة على مصراعيه ويضرب موعدا مع اللّه - سبحانه - في كل لحظة للتائبين المستغفرين،الذين يطرقون الأبواب في كل حين.بل يلجونها بلا استئذان فيجدون الرحمة والغفران!
وأخيرا يمن اللّه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن عصمه من الانسياق وراء المتآمرين المبيتين فأطلعه على مؤامراتهم التي يستخفون بها من الناس ولا يستخفون بها من اللّه - وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول - ثم يمتن عليه المنة الكبرى في إنزال الكتاب والحكمة وتعليمه ما لم يكن يعلم ..وهي المنة على البشرية كلها،ممثلة ابتداء في شخص أكرمها على اللّه وأقربها للّه: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ.وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ.وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيء .وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ.وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ.وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا» .
إن هذه المحاولة ليست إلا واحدة من محاولات كثيرة،شتى الألوان والأنواع مما بذله أعداء هذا الرسول الكريم ليضلوه عن الحق والعدل والصواب.ولكن اللّه - سبحانه - كان يتولاه بفضله ورحمته في كل مرة.
وكان الكائدون المتآمرون هم الذين يضلون ويقعون في الضلالة ..وسيرة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حافلة بتلك المحاولات ونجاته وهدايته وضلال المتآمرين وخيبتهم.
واللّه - سبحانه - يمتن عليه بفضله ورحمته هذه ويطمئنه في الوقت ذاته أنهم لا يضرونه شيئا.بفضل من اللّه ورحمة.
وبمناسبة المنة في حفظه من هذه المؤامرة الأخيرة وصيانة أحكامه من أن تتعرض لظلم بريء وتبرئة جارم،وكشف الحقيقة له وتعريفه بالمؤامرة ..تجيء المنة الكبرى ..منة الرسالة: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ.وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا» .
وهي منة اللّه على «الإنسان» في هذه الأرض.المنة التي ولد الإنسان معها ميلادا جديدا.ونشأ بها «الإنسان» كما نشأ أول مرة بنفخة الروح الأولى ..
المنة التي التقطت البشرية من سفح الجاهلية،لترقى بها في الطريق الصاعد،إلى القمة السامقة.عن طريق المنهج الرباني الفريد العجيب ..المنة التي لا يعرف قدرها إلا الذي عرف الإسلام وعرف الجاهلية - جاهلية الغابر والحاضر - وذاق الإسلام وذاق الجاهلية ..
وإذا كانت منة يذكر اللّه بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلأنه هو أول من عرفها وذاقها.وأكبر من عرفها وذاقها.وأعرف من عرفها وذاقها .. «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ.وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا» .