ثم يعرض لهم نموذجا من نماذج الطاعة والعبادة في مقابل عصيانهم وإعراضهم.نموذجا ممن هم أقرب منهم إلى اللّه.ومع هذا فهم دائبون على طاعته وعبادته،لا يفترون ولا يقصرون: «وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ،يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ» ..ومن في السماوات والأرض لا يعلمهم إلا اللّه،ولا يحصيهم إلا اللّه.والعلم البشري لا يستيقن إلا من وجود البشر.والمؤمنون يستيقنون من وجود الملائكة والجن كذلك لذكرهما في القرآن.ولكننا لا نعرف عنهم إلا ما أخبرنا به خالقهم.وقد يكون هناك غيرهم من العقلاء في غير هذا الكوكب الأرضي،بطبائع وأشكال تناسب طبيعة تلك الكواكب.وعلم ذلك عند اللّه.
فإذا نحن قرأنا: «وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» عرفنا منهم من نعرف،وتركنا علم من لا نعلم لخالق السماوات والأرض ومن فيهن.
«وَمَنْ عِنْدَهُ» المفهوم القريب أنهم الملائكة.ولكننا لا نحدد ولا نقيد ما دام النص عاما يشمل الملائكة وغيرهم.والمفهوم من التعبير انهم هم الأقرب إلى اللّه.فكلمة «عند» القياس إلى اللّه لا تعني مكانا،ولا تحدد وصفا. «وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ» كما يستكبر هؤلاء المشركون «وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» - أي يقصرون - في العبادة.فحياتهم كلها عبادة وتسبيح بالليل والنهار دون انقطاع ولا فتور ..والبشر يملكون أن تكون حياتهم كلها عبادة دون أن ينقطعوا للتسبيح والتعبد كالملائكة.فالإسلام يعد كل حركة وكل نفس عبادة إذا توجه بها صاحبها إلى اللّه.ولو كانت متاعا ذاتيا بطيبات الحياة!
وفي ظل التسبيح الذي لا يفتر ولا ينقطع للّه الواحد،مالك السماوات والأرض ومن فيهن.يجيء الإنكار على المشركين واستنكار دعواهم في الآلهة.ويعرض السياق دليل الوحدانية من المشهود في نظام الكون وناموسه الواحد الدال على المدبر الواحد ومن المنقول عن الكتب السابقة عند أهل الكتاب: «أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ؟ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ.لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً؟ قُلْ:هاتُوا بُرْهانَكُمْ.هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي.بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ.وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ» ..
والسؤال عن اتخاذهم آلهة هو سؤال استنكار للواقع منهم.ووصف هؤلاء الآلهة بأنهم ينشرون من الأرض أي يقيمون الأموات ويبعثونهم أحياء.فيه تهكم بتلك الآلهة التي اتخذوها.فمن أول صفات الإله الحق أن ينشر الأموات من الأرض.فهل الآلهة التي اتخذوها تفعل هذا؟ إنها لا تفعل،ولا يدعون لها هم أنها تخلق حياة أو تعيد حياة.فهي إذن فاقدة للصفة الأولى من صفات الإله.
ذلك منطق الواقع المشهود في الأرض.وهنالك الدليل الكوني المستمد من واقع الوجود: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» ..