فالكون قائم على الناموس الواحد الذي يربط بين أجزائه جميعا وينسق بين أجزائه جميعا وبين حركات هذه الأجزاء وحركة المجموع المنظم ..هذا الناموس الواحد من صنع إرادة واحدة لإله واحد.فلو تعددت الذوات لتعددت الإرادات.ولتعددت النواميس تبعا لها - فالإرادة مظهر الذات المريدة.والناموس مظهر الإرادة النافذة - ولا نعدمت الوحدة التي تنسق الجهاز الكوني كله،وتوحد منهجه واتجاهه وسلوكه ولوقع الاضطراب والفساد تبعا لفقدان التناسق ..هذا التناسق الملحوظ الذي لا ينكره أشد الملحدين لأنه واقع محسوس.
وإن الفطرة السليمة التي تتلقى إيقاع الناموس الواحد للوجود كله،لتشهد شهادة فطرية بوحدة هذا
الناموس،ووحدة الإرادة التي أوجدته،ووحدة الخالق المدبر لهذا الكون المنظم المنسق،الذي لا فساد في تكوينه،ولا خلل في سيره: «فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ» ..
وهم يصفونه بأن له شركاء.تنزه اللّه المتعالي المسيطر: «رَبِّ الْعَرْشِ» والعرش رمز الملك والسيطرة والاستعلاء.تنزه عما يقولون والوجود كله بنظامه وسلامته من الخلل والفساد يكذبهم فيما يقولون.
«لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ» ..
ومتى كان المسيطر على الوجود كله يسأل ومن ذا الذي يسأله وهو القاهر فوق عباده،وإرادته طليقة لا يحدها قيد من إرادة أخرى،ولا حتى من الناموس الذي ترتضيه هي وتتخذه حاكما لنظام الوجود؟
والسؤال والحساب إنما يكونان بناء على حدود ترسم ومقياس يوضع.والإرادة الطليقة هي التي تضع الحدود والمقاييس،ولا تتقيد بما تضع للكون من الحدود والمقاييس إلا كما تريد.والخلق مأخوذون بما تضع لهم من تلك الحدود فهم يسألون.
وإن الخلق ليستبد بهم الغرور أحيانا فيسألون سؤال المنكر المتعجب:ولما ذا صنع اللّه كذا.وما الحكمة في هذا الصنيع؟ وكأنما يريدون ليقولوا:إنهم لا يجدون الحكمة في ذلك الصنيع! وهم يتجاوزون في هذا حدود الأدب الواجب في حق المعبود،كما يتجاوزون حدود الإدراك الإنساني القاصر الذي لا يعرف العلل والأسباب والغايات وهو محصور في حيزه المحدود ..
إن الذي يعلم كل شيء، ويدبر كل شيء، ويسيطر على كل شيء، هو الذي يقدر ويدبر ويحكم.
«لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ» ..وإلى جانب الدليل الكوني المستمد من طبيعة الوجود وواقعه يسألهم عن الدليل النقلي الذي يستندون إليه في دعوى الشرك التي لا تعتمد على دليل: «أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً؟ قُلْ:هاتُوا بُرْهانَكُمْ.هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي» .
فهذا هو القرآن يشتمل على ذكر المعاصرين للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهناك ذكر من سبقه من الرسل.وليس فيما جاءوا به ذكر الشركاء.فكل الديانات قائمة على عقيدة التوحيد.فمن أين جاء المشركون بدعوى الشرك التي تنقضها طبيعة الكون،ولا يوجد من الكتب السابقة عليها دليل: