فهرس الكتاب

الصفحة 2843 من 4997

الدرس الرابع:125 - 128 بيان طريق الدعوة والصبر على مشقاتها

ذلك بيان المشتبهات في العلاقة بين عقيدة التوحيد التي جاء بها إبراهيم من قبل،وكملت في الدين الأخير،والعقائد المنحرفة التي يتمسك بها المشركون واليهود.وهو بعض ما جاء هذا الكتاب لتبيانه.فليأخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في طريقه يدعو إلى سبيل ربه دعوة التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة،ويجادل المخالفين في العقيدة بالتي هي أحسن.فإذا اعتدوا عليه وعلى المسلمين عاقبهم بمثل ما اعتدوا.إلا أن يعفو ويصبر مع المقدرة على العقاب بالمثل مطمئنا إلى أن العاقبة للمتقين المحسنين.فلا يحزن على من لا يهتدون،ولا يضيق صدره بمكرهم به وبالمؤمنين: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ،وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ،إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ،وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ،وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ.وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ.وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ.إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا،وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» ..

على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها،ويعين وسائلها وطرائقها،ويرسم المنهج للرسول الكريم،وللدعاة من بعده بدينه القويم فلننظر في دستور الدعوة الذي شرعه اللّه في هذا القرآن.

إن الدعوة دعوة إلى سبيل اللّه.لا لشخص الداعي ولا لقومه.فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه للّه،لا فضل له يتحدث به،لا على الدعوة ولا على من يهتدون به،وأجره بعد ذلك على اللّه.

والدعوة بالحكمة،والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم،والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها.والطريقة التي يخاطبهم بها،والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها.فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق،وتتعمق المشاعر بلطف،لا بالزجر والتأنيب في غير موجب.

ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية.فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة،ويؤلف القلوب النافرة،ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ.

وبالجدل بالتي هي أحسن.بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح.حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل،ولكن الإقناع والوصول إلى الحق.فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها،وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق،حتى لا تشعر بالهزيمة.وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس،فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها.والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة.ويشعر المجادل أن ذاته مصونة،وقيمته كريمة،وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها،والاهتداء إليها.في سبيل اللّه،لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت