ويتطرق من عرض هذه الآيات الكونية إلى الغافلين عنها،الذين لا يرتقبون لقاء اللّه مدبر كل شيء، وما ينتظر هؤلاء الغافلين من سوء المصير وما ينتظر المؤمنين في الجانب الآخر من نعيم مقيم.ويسجل حكمة تأجيل المصير إلى يومه الموعود،وعدم تعجيل الشر للناس كما يستعجلون هم الخير في هذه الدنيا ولو عجل لهم بالشر كما يستعجلون بالخير لانتهى الأجل وأخذوا بذنوبهم دون إمهال.
ومن ثم وصف لطبيعة البشر في تلقيهم للشر والخير.وضراعتهم إلى اللّه عند مس الأذى،ونسيانهم له عند كشف الضر.ولجاجهم فيما كانوا من قبل فيه،دون اعتبار بالقرون الخالية التي سارت في الطريق ذاته،ولقيت مصارعها في ذلك الطريق! ومع أن مصارع الغابرين كانت واضحة للعرب الذين يدعوهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن المكذبين كانوا يطلبون إلى الرسول أن يأتي لهم بقرآن غير هذا القرآن أو يبدل بعضه.غير متدبرين ولا مدركين أن القرآن من عند اللّه،وأن له حكمة ثابتة فهو لا يقبل التبديل.وهم يعبدون من دون اللّه مالا ينفعهم ولا يضرهم دون استناد إلى شيء، ويتركون عبادة اللّه وحده وهي تستند إلى وحي من اللّه.ثم يطلبون خارقة من الخوارق غير ناظرين إلى آية اللّه الواضحة في القرآن،غافلين عن آياته المعجزة في تضاعيف الكون.
ثم عودة إلى طبيعة البشر في تلقي الرحمة والضر.وعرض نموذج حي من هذه الطبيعة،في مشهد من المشاهد النابضة المتحركة المؤثرة.في ركوب البحر عند ما تسير الفلك في أول الأمر رخاء،ثم تعصف بها الريح ويأتيها الموج من كل مكان.
ومشهد آخر يمثل غرور هذه الحياة الدنيا،وبريقها ولألاءها الذي ينطفئ في لحظة،وأهلها مأخوذون بزخرفها غافلون عن المصير الخاطف المرهوب ..ذلك واللّه يدعو إلى دار السلام.دار الأمن والاطمئنان.
الدار التي لا خوف من أخذها على حين غرة .. «كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» ..ويدركون حكمة اللّه في الخلق والتدبير.
«الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ» ..
من هذه الحروف وأمثالها،تتألف آيات الكتاب الحكيم،الذي ينكرون أن يكون اللّه قد أوحى به إلى الرسول.وهذه الحروف في متناول أيديهم،ثم لا يبلغون أن يؤلفوا منها آية واحدة من مثل آيات الكتاب - كما يتحداهم في هذه السورة - ولا يقودهم هذا إلى التدبر،وإدراك أن الوحي هو مفرق الطريق بينهم وبين الرسول،وأنه لولا هذا الوحي لوقف وقفتهم عاجزا عن تأليف آية واحدة،من هذه الحروف المبذولة للجميع.
«تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ» ..الحكيم الذي يخاطب البشر بما يناسب طبائع البشر،ويعرض في هذه السورة جوانب منها صادقة باقية،نجد مصداقها في كل جيل.