فهرس الكتاب
ولكن اللّه - سبحانه - رحمة منه بعباده،لما يعلمه من أن في استعدادهم أن يضلوا إذا أضلوا،وأن فطرتهم هذه تتعرض لعوامل الانحراف - كما قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بفعل شياطين الجن والإنس الذين يعتمدون على ما في التكوين البشري من نقط الضعف! ..
رحمة من اللّه بعباده قدر ألا يحاسبهم على عهد الفطرة هذا كما أنه لا يحاسبهم على ما أعطاهم من عقل يميزون به حتى يرسل إليهم الرسل،ويفصل لهم الآيات،لاستنقاذ فطرتهم من الركام والتعطل والانحراف،واستنقاذ عقلهم من ضغط الهوى والضعف والشهوات [1] .
ولو كان اللّه يعلم أن الفطر والعقول تكفي وحدها للهدى دون رسل ولا رسالات ودون تذكير وتفصيل للآيات لأخذ اللّه عباده بها. ولكنه رحمهم بعلمه فجعل الحجة عليهم هي الرسالة: «وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» ..
يرجعون إلى فطرتهم وعهدها مع اللّه وإلى ما أودعه اللّه كينونتهم من قوى البصيرة والإدراك. فالرجعة إلى هذه المكنونات كفيلة بانتفاض حقيقة التوحيد في القلوب وردها إلى بارئها الوحيد،الذي فطرها على عقيدة التوحيد. ثم رحمها فأرسل إليها الرسل بالآيات للتذكير والتحذير [2] .
وكمثل للانحراف عن سواء الفطرة،ونقض لعهد اللّه المأخوذ عليها،ونكوص عن آيات اللّه بعد رؤيتها والعلم بها .. ذلك الذي آتاه اللّه آياته،فكانت في متناول نظره وفكره ولكنه انسلخ منها،وتعرى عنها ولصق بالأرض،واتبع الهوى فلم يستمسك بالميثاق الأول،ولا بالآيات الهادية فاستولى عليه الشيطان وأمسى مطرودا من حمى اللّه،لا يهدأ ولا يطمئن ولا يسكن إلى قرار ..
ولكن البيان القرآني المعجز لا يصوغ المثل هذه الصياغة! إنما يصوره في مشهد حي متحرك،عنيف الحركة،شاخص السمات،بارز الملامح،واضح الانفعالات يحمل كل إيقاعات الحياة الواقعة،إلى جانب إيقاعات العبارة الموحية [3] : « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها،فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ،فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها،وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ،فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ .. إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ،أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ .. ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ!» ..
إنه مشهد من المشاهد العجيبة،الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات
(1) - يراجع تفسير قوله تعالى: «رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» في الجزء السادس من هذه الظلال ص 806 - 812 ( السيد رحمه الله )
(2) - يراجع فصل: «ألوهية وعبودية» وفصل: «حقيقة الإنسان» في كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» .. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )
(3) - يراجع بتوسع فصل: «طريقة القرآن» في كتاب «التصوير الفني في القرآن» .. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )