إن الدينونة لهذا الإله وحده هي التي يدعو إليها الرسل كافة. هي التي يدعون إليها البشرية كلها،كلما قعد لها الشيطان على صراط اللّه فأضلها عنه وردها إلى الجاهلية التي تتبدى في صور شتى ولكنها كلها تتسم بإشراك غير اللّه معه في الربوبية.
والمنهج القرآني يكثر من الربط بين عبودية هذا الكون للّه،ودعوة البشر إلى الاتساق مع الكون الذي يعيشون فيه والإسلام للّه الذي أسلم له الكون كله والذي يتحرك مسخرا بأمره. ذلك أن هذا الإيقاع بهذه الحقيقة الكونية كفيل بأن يهز القلب البشري هزا وأن يستحثه من داخله على أن ينخرط في سلك العبادة المستسلمة فلا يكون هو وحده نشازا في نظام الوجود كله! إن الرسل الكرام لا يدعون البشرية لأمر شاذ إنما يدعونها إلى الأصل الذي يقوم عليه الوجود كله وإلى الحقيقة المركوزة في ضمير هذا الوجود .. وهي ذاتها الحقيقة المركوزة في فطرة البشر والتي تهتف بها فطرتهم حين لا تلوي بها الشهوات،ولا يقودها الشيطان بعيدا عن حقيقتها الأصيلة ..
وهذه هي اللمسة المستفادة من تتابع السياق القرآني في السورة على النحو الذي تتابع به.
«لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ،فَقالَ:يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ،إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ:إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. قالَ:يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ،وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي،وَأَنْصَحُ لَكُمْ،وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ،وَلِتَتَّقُوا،وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ؟ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ،وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا،إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ» ..
تعرض القصة هنا باختصار،ليست فيها التفصيلات التي ترد في مواضع أخرى من القرآن في سياق يتطلب تلك التفصيلات،كالذي جاء في سورة هود،وفي سورة نوح .. إن الهدف هنا هو تصوير تلك المعالم التي تحدثنا عنها آنفا .. طبيعة العقيدة. طريقة التبليغ. طبيعة استقبال القوم لها. حقيقة مشاعر الرسول. تحقق النذير .. لذلك تذكر من القصة فحسب تلك الحلقات المحققة لتلك المعالم،على منهج القصص القرآني.
«لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ» ..على سنة اللّه في إرسال كل رسول من قومه،وبلسانهم،تأليفا لقلوب الذين لم تفسد فطرتهم،وتيسيرا على البشر في التفاهم والتعارف. وإن كان الذين فسدت فطرتهم يعجبون من هذه السنة،ولا يستجيبون،ويستكبرون أن يؤمنوا لبشر مثلهم،ويطلبون أن تبلغهم الملائكة! وإن هي إلا تعلة. وما كانوا ليستجيبوا إلى الهدى،مهما جاءهم من أي طريق! لقد أرسلنا نوحا إلى قومه،فخاطبهم بتلك الكلمة الواحدة التي جاء بها كل رسول: «فَقالَ:يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» .