مَعِينٍ (45) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (50) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (55) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61) أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68)
والآن نأخذ في التفصيل: «وَالصَّافَّاتِ صَفًّا،فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا،فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا،إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ.رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ» ..
والصافات والزاجرات والتاليات ..طوائف من الملائكة ذكرها هنا بأعمالها التي يعلمها.والتي يجوز أن تكون هي الصافات قوائمها في الصلاة،أو أجنحتها في ارتقاب أمر اللّه.والزاجرات لمن يستحق الزجر من العصاة في أثناء قبض أرواحهم مثلا أو عند الحشر والسوق إلى جهنم أو في أية حالة وفي أي موضع.والتاليات للذكر ..القرآن أو غيره من كتب اللّه أو المسبحات بذكر اللّه.
يقسم اللّه سبحانه بهذه الطوائف من الملائكة على وحدانيته: «إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ» ..ومناسبة هذا القسم - كما أسلفنا - هو تلك الأسطورة التي كانت شائعة في جاهلية العرب من نسبة الملائكة إلى اللّه،واتخاذهم آلهة بما أنهم - بزعمهم - بنات اللّه! ثم يعرف اللّه عباده بنفسه في صفته المناسبة للوحدانية: «رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ» ..
وهذه السماوات والأرض قائمة حيال العباد تحدثهم عن الخالق البارئ المدبر لهذا الملكوت الهائل الذي لا يدعي أحد أنه يملك خلقه وتدبيره ولا يملك أحد أن يهرب من الاعتراف لخالقه بالقدرة المطلقة والربوبية الحقة. «وَما بَيْنَهُما» ..من هواء وسحاب،وضوء ونور،ومخلوقات دقيقة يعرف البشر شيئا منها الحين بعد الحين،ويخفى عليهم منها أكثر مما يكشف لهم! والسماوات والأرض وما بينهما من الضخامة والعظمة والدقة والتنوع والجمال والتناسق بحيث لا يملك الإنسان نفسه أمامها - حين يستيقظ قلبه - من التأثر العميق،والروعة البالغة،والتفكر الطويل.وما يمر الإنسان بهذا الخلق العظيم من غير ما تأثر ولا تدبر إلا حين يموت قلبه،فيفقد التأثر والاستجابة لإيقاعات هذا الكون الحافل بالعجائب. «وَرَبُّ الْمَشارِقِ» ..ولكل نجم مشرق،ولكل كوكب مشرق،فهي مشارق كثيرة في كل جانب من جوانب السماوات الفسيحة ..وللتعبير دلالة أخرى دقيقة في التعبير عن الواقع في هذه