تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ:اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ..» ..
فهذا المجال الفسيح الذي تتصل فيه حياة البشر بهذا الملأ الأعلى،هو فسحة في التصور،وفسحة في إدراك حقائق هذا الوجود،وفسحة في الشعور،وفسحة في الحركة النفسية والفكرية،يتيحها التصور الإسلامي للمسلم والقرآن يعرض عليه هذا المجال الفسيح،وعالم الغيب المتصل بما هو فيه من عالم الشهود.
والذين يريدون أن يغلقوا على «الإنسان» هذا المجال ..ومجال عالم الغيب كله ..إنما يريدون به أقبح الشر ..يريدون أن يغلقوا عالمه على مدى الحس القريب المحدود ويريدون بذلك أن يزجوا به في عالم البهائم وقد كرمه اللّه بقوة التصور التي يملك بها أن يدرك ما لا تدركه البهائم وأن يعيش في بحبوحة من المعرفة،وبحبوحة من الشعور! وأن ينطلق بعقله وقلبه إلى مثل هذا العالم وأن يتطهر وهو يرف بكيانه كله في مثل هذا النور! والعرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من خطأ في التصور - كانوا (من هذا الجانب) أرقى من أهل الجاهلية (العلمية!) الحديثة الذين يسخرون من الغيب كله! ويعدون الإيمان بمثل هذه العوالم الغيبية سذاجة غير علمية! ويضعون «الغيبية» في كفة،و «العلمية» في الكفة الأخرى! وسنناقش عند مواجهة قوله تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ» هذه الدعوى التي لا سند لها من العلم،كما أنه لا سند لها من الدين.أما هنا فنكتفي بكلمة مختصرة عن شأن الملائكة.
ونسأل:ماذا عند أدعياء العقلية «العلمية» ،من علمهم ذاته،يحتم عليهم نفي هذا الخلق المسمى بالملائكة،وإبعاده عن دائرة التصور والتصديق؟ ماذا لديهم من علم يوجب عليهم ذلك؟
إن علمهم لا يملك أن ينفي وجود حياة من نوع آخر غير الحياة المعروفة في الأرض في أجرام أخرى،يختلف تركيب جوها وتختلف طبيعتها وظروفها عن جو الأرض وظروفها ..فلما ذا يجزمون بنفي هذه العوالم،وهم لا يملكون دليلا واحدا على نفي وجودها؟
إننا لا نحاكمهم إلى عقيدتنا،ولا إلى قول اللّه سبحانه! إنما نحاكمهم إلى «علمهم» الذي يتخذونه إلها ..
فلا نجد إلا أن المكابرة وحدها - من غير أي دليل من هذا العلم - هي التي تقودهم إلى هذا الإنكار «غير العلمي» ! ألمجرد أن هذه العوالم غيب؟ لقد نرى حين نناقش هذه القضية أن الغيب الذي ينكرونه هو الحقيقة الوحيدة التي يجزم هذا «العلم» اليوم بوجودها حتى في عالم الشهادة الذي تلمسه الأيدي وتراه العيون.