وعند هذا الحد يأخذ السياق في استعراض آيات الألوهية الواحدة فيما خلق اللّه في الكون،وفيما أودع الإنسان من صفات واستعدادات،وفيما وهبه من نعم وآلاء،مما لا يقدر عليه أحد إلا اللّه.
وقد ذكر في الآية السابقة إنزال الكتاب - وهو خير ما أنزل اللّه للناس وفيه حياة الروح - فهو يتبعه بإنزال الماء من السماء،وفيه حياة الأجسام: «وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً،فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها.إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ» ..
والماء حياة كل حي.والنص يجعله حياة للأرض كلها على وجه الشمول لكل ما عليها ومن عليها.والذي يحول الموت إلى حياة هو الذي يستحق أن يكون إلها: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ» فيتدبرون ما يسمعون.فهذه القضية.قضية آيات الألوهية ودلائلها من الحياة بعد الموت ذكرها القرآن كثيرا ووجه الأنظار إليها كثيرا،ففيها آية لمن يسمع ويعقل ويتدبر ما يقال.
وعبرة أخرى في الأنعام تشير إلى عجيب صنع الخالق،وتدل على الألوهية بهذا الصنع العجيب:« وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً،نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ - مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ - لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشَّارِبِينَ"فهذا اللبن الذي تدره ضروع الأنعام مم هو؟ إنه مستخلص من بين فرث ودم.والفرث ما يتبقى في الكرش بعد الهضم،وامتصاص الأمعاء للعصارة التي تتحول إلى دم.هذا الدم الذي يذهب إلى كل خلية في الجسم،فإذا صار إلى غدد اللبن في الضرع تحول إلى لبن ببديع صنع اللّه العجيب،الذي لا يدري أحد كيف يكون."
وعملية تحول الخلاصات الغذائية في الجسم إلى دم،وتغذية كل خلية بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم،عملية عجيبة فائقة العجب،وهي تتم في الجسم في كل ثانية،كما تتم عمليات الاحتراق.وفي كل لحظة تتم في هذا الجهاز الغريب عمليات هدم وبناء مستمرة لا تكف حتى تفارق الروح الجسد ..ولا يملك إنسان سوي الشعور أن يقف أمام هذه العمليات العجيبة لا تهتف كل ذرة فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الجهاز الإنساني،الذي لا يقاس إليه أعقد جهاز من صنع البشر،ولا إلى خلية واحدة من خلاياه التي لا تحصى.
ووراء الوصف العام لعمليات الامتصاص والتحول والاحتراق تفصيلات تدير العقل،وعمل الخلية الواحدة في الجسم في هذه العملية عجب لا ينقضي التأمل فيه.
وقد بقي هذا كله سرا إلى عهد قريب.وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من بين فرث ودم لم تكن معروفة لبشر،وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها فضلا على أن يقررها بهذه الدقة العلمية الكاملة.وما يملك إنسان يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل.ووجود حقيقة واحدة من نوع هذه الحقيقة يكفي وحده لإثبات الوحي من اللّه بهذا القرآن.فالبشرية كلها كانت تجهل يومذاك هذه الحقيقة.