بما تنطوي عليه من عبر؟ «فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها» فتدرك ما وراء هذه الآثار الدوارس من سنة لا تتخلف ولا تتبدل. «أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها» فتسمع أحاديث الأحياء عن تلك الدور المهدمة والآبار المعطلة والقصور الموحشة؟.
أفلم تكن لهم قلوب؟ فإنهم يرون ولا يدركون،ويسمعون ولا يعتبرون «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» !
ويمعن في تحديد مواضع القلوب: «الَّتِي فِي الصُّدُورِ» زيادة في التوكيد،وزيادة في إثبات العمى لتلك القلوب على وجه التحديد!
ولو كانت هذه القلوب مبصرة لجاشت بالذكرى،وجاشت بالعبرة،وجنحت إلى الإيمان خشية العاقبة الماثلة في مصارع الغابرين،وهي حولهم كثير.
ولكنهم بدلا من التأمل في تلك المصارع،والجنوح إلى الإيمان،والتقوى من العذاب ..راحوا يستعجلون بالعذاب الذي أخره اللّه عنهم إلى أجل معلوم: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ.وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ.وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ» ..
وذلك دأب الظالمين في كل حين.يرون مصارع الظالمين،ويقرأون أخبارهم ويعلمون مصائرهم.ثم إذا هم يسلكون طريقهم غير ناظرين إلى نهاية الطريق!
فإذا ذكروا بما نال أسلافهم استبعدوا أن يصيبهم ما أصابهم ..ثم يطغى بهم الغرور والاستهتار إذا أملى لهم اللّه على سبيل الاختبار.فإذا هم يسخرون ممن يخوفهم ذلك المصير.وإذا هم - من السخرية - يستعجلون ما يوعدون! «وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ» فهو آت في موعده الذي أراده اللّه وقدره وفق حكمته.واستعجال الناس به لا يعجله كي لا تبطل الحكمة المقصودة من تأجيله.
وتقدير الزمن في حساب اللّه غيره في حساب البشر: «وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ» .
ولقد أملى اللّه للكثير من تلك القرى الهالكة فلم يكن هذا الإملاء منجيا لها من المصير المحتوم والسنة المطردة في هلاك الظالمين: «وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ،ثُمَّ أَخَذْتُها،وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ» ..
فما بال هؤلاء المشركين يستعجلون بالعذاب،ويهزأون بالوعيد،بسبب إملاء اللّه لهم حينا من الزمان إلى أجل معلوم؟.
وعند هذا الحد من عرض مصارع الغابرين،وبيان سنة اللّه في المكذبين ..يلتفت السياق بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لينذر الناس ويبين لهم ما ينتظرهم من مصير: «قُلْ:يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ.فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ،وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» ..