مفردات الخير والبر،فيجعلها خطا مستقيما ثابتا وأصلا.له هدف مرسوم،وله دافع مفهوم،وله طريق معلوم ..فلا يترك للنزوة العارضة،والرغبة الغامضة،والفلتة التي لا ترجع إلى منهج ثابت مستقيم ..
هم الذين اختاروا لأنفسهم الشرود والضلال والانفلات من عصمة الحبل الممدود.فإذا ذهب عملهم كله هباء - حتى ما ينفقونه فيما ظاهره الخير - وإذا أصاب حرثهم كله الدمار،فلم يغن عنهم مال ولا ولد ..فما في هذا ظلم من اللّه - تعالى - لهم.إنما هو ظلمهم لأنفسهم،بما اختاروه لأنفسهم من تنكب وشرود.
وهكذا يتقرر أن لا جزاء على بذل وأن لا قيمة لعمل إلا أن يرتبط بمنهج الإيمان وإلا أن يكون باعثه الإيمان ..يقول اللّه هذا ويقرره فلا تبقى بعده كلمة لإنسان ولا يجادل في هذا القرار إلا الذين يجادلون في آيات اللّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ..
وفي نهاية الدرس الذي ابتدأ بيانا لما في سلوك أهل الكتاب من انحراف،وكشفا لما في جدالهم من مغالطة،وفضحا لما يريدونه بالمسلمين من سوء،وتوجيها للجماعة المسلمة لتنهض بتكاليفها،دون أن تلقي بالا إلى المجادلين المنحرفين الفاسقين ..في نهاية هذا الدرس،ونهاية هذا المقطع الطويل من السورة كلها يجيء التحذير للجماعة المسلمة من أن تتخذ من أعدائها الطبيعين بطانة،وأن تجعل منهم أمناء على أسرارها ومصالحها،وهم للذين آمنوا عدو ..يجيء هذا التحذير في صورة شاملة خالدة،ما نزال نرى مصداقها في كل وقت،وفي كل أرض.صورة رسمها هذا القرآن الحي،فغفل عنها أهل هذا القرآن.فأصابهم من غفلتهم وما يزال يصيبهم الشر والأذى والمهانة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا.وَدُّوا ما عَنِتُّمْ.قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ،وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ.قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ،وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ،وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا:آمَنَّا،وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ.قُلْ:مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ،إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ،وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها.وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا.إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» ..
إنها صورة كاملة السمات،ناطقة بدخائل النفوس،وشواهد الملامح،تسجل المشاعر الباطنة،والانفعالات الظاهرة،والحركة الذاهبة الآئبة.وتسجل بذلك كله نموذجا بشريا مكرورا في كل زمان وفي كل مكان.
ونستعرضها اليوم وغدا فيمن حول الجماعة المسلمة من أعداء.يتظاهرون للمسلمين - في ساعة قوة المسلمين وغلبتهم - بالمودة.فتكذبهم كل خالجة وكل جارحة.وينخدع المسلمون بهم فيمنحونهم الود والثقة،وهم لا يريدون للمسلمين إلا الاضطراب والخبال،ولا يقصرون في إعنات المسلمين ونثر الشوك في طريقهم،والكيد لهم والدس،ما وأتتهم الفرصة في ليل أو نهار.