فهرس الكتاب

الصفحة 721 من 4997

وما من شك أن هذه الصورة التي رسمها القرآن الكريم هذا الرسم العجيب،كانت تنطبق ابتداء على أهل الكتاب المجاورين للمسلمين في المدينة وترسم صورة قوية للغيظ الكظيم الذي كانوا يضمرونه للإسلام والمسلمين،وللشر المبيت،وللنوايا السيئة التي تجيش في صدورهم في الوقت الذي كان بعض المسلمين ما يزال مخدوعا في أعداء اللّه هؤلاء،وما يزال يفضي إليهم بالمودة،وما يزال يأمنهم على أسرار الجماعة المسلمة ويتخذ منهم بطانة وأصحابا وأصدقاء،لا يخشى مغبة الإفضاء إليهم بدخائل الأسرار ..فجاء هذا التنوير،وهذا التحذير،يبصر الجماعة المسلمة بحقيقة الأمر،ويوعيها لكيد أعدائها الطبيعيين،الذين لا يخلصون لها أبدا،ولا تغسل أحقادهم مودة من المسلمين وصحبة.ولم يجىء هذا التنوير وهذا التحذير ليكون مقصورا على فترة تاريخية معينة،فهو حقيقة دائمة،تواجه واقعا دائما ..كما نرى مصداق هذا فيما بين أيدينا من حاضر مكشوف مشهود ..

والمسلمون في غفلة عن أمر ربهم:ألا يتخذوا بطانة من دونهم.بطانة من ناس هم دونهم في الحقيقة والمنهج والوسيلة.وألا يجعلوهم موضع الثقة والسر والاستشارة ..المسلمون في غفلة عن أمر ربهم هذا يتخذون من أمثال هؤلاء مرجعا في كل أمر،وكل شأن،وكل وضع،وكل نظام،وكل تصور،وكل منهج،وكل طريق! والمسلمون في غفلة من تحذير اللّه لهم،يوادون من حاد اللّه ورسوله ويفتحون لهم صدورهم وقلوبهم.

واللّه سبحانه يقول للجماعة المسلمة الأولى كما يقول للجماعة المسلمة في أي جيل: «وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» ..

واللّه سبحانه يقول: « ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ،وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ،وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا:آمَنَّا،وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ» ..

واللّه سبحانه يقول: «إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ،وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها» ..

ومرة بعد مرة تصفعنا التجارب المرة،ولكننا لا نفيق ..ومرة بعد مرة نكشف عن المكيدة والمؤامرة تلبس أزياء مختلفة ولكننا لا نعتبر.ومرة بعد مرة تنفلت ألسنتهم فتنم عن أحقادهم التي لا يذهب بها ود يبذله المسلمون،ولا تغسلها سماحة يعلمها لهم الدين ..ومع ذلك نعود،فنفتح لهم قلوبنا ونتخذ منهم رفقاء في الحياة والطريق! ..وتبلغ بنا المجاملة،أو تبلغ بنا الهزيمة الروحية أن نجاملهم في عقيدتنا فنتحاشى ذكرها،وفي منهج حياتنا فلا نقيمه على أساس الإسلام،وفي تزوير تاريخنا وطمس معالمه كي نتقي فيه ذكر أي صدام كان بين أسلافنا وهؤلاء الأعداء المتربصين! ومن ثم يحل علينا جزاء المخالفين عن أمر اللّه.ومن هنا نذل ونضعف ونستخذي.ومن هنا نلقى العنت الذي يوده أعداؤنا لنا،ونلقى الخبال الذي يدسونه في صفوفنا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت