كتابهم،فقال بعضهم لبعض: «أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ» ..فتكون لهم الحجة عليكم؟ ..
وهنا تدركهم طبيعتهم المحجبة عن معرفة صفة اللّه وحقيقة علمه فيتصورون أن اللّه لا يأخذ عليهم الحجة إلا أن يقولوها بأفواههم للمسلمين! أما إذا كتموا وسكتوا فلن تكون للّه عليهم حجة! ..وأعجب العجب أن يقول بعضهم لبعض في هذا: «أَفَلا تَعْقِلُونَ؟» ..فيا للسخرية من العقل والتعقل الذي يتحدثون عنه مثل هذا الحديث!!
ومن ثم يعجب السياق من تصورهم هذا قبل أن يمضي في استعراض ما يقولون وما يفعلون: «أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ؟» ..
ثم يستطرد يقص على المسلمين من أحوال بني إسرائيل:إنهم فريقان.فريق أمي جاهل،لا يدري شيئا من كتابهم الذي نزل عليهم،ولا يعرف منه إلا أوهاما وظنونا،وإلا أماني في النجاة من العذاب،بما أنهم شعب اللّه المختار،المغفور له كل ما يعمل وما يرتكب من آثام! وفريق يستغل هذا الجهل وهذه الأمية فيزوّر على كتاب اللّه،ويحرف الكلم عن مواضعه بالتأويلات المغرضة،ويكتم منه ما يشاء،ويبدي منه ما يشاء ويكتب كلاما من عند نفسه يذيعه في الناس باسم أنه من كتاب اللّه ..كل هذا ليربح ويكسب،ويحتفظ بالرياسة والقيادة {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } (79) سورة البقرة
الاستفهام يحمل كذلك معنى الإنكار والتوبيخ!
الدرس الثالث:80 تكذيبهم في زعم النجاة من النار
هنا يأتيهم الجواب القاطع والقول الفصل في هذه الدعوى،في صورة كلية من كليات التصور الإسلامي،تنبع من فكرته الكلية عن الكون والحياة والإنسان:إن الجزاء من جنس العمل،ووفق هذا العمل.
« بَلى ! مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ..
ولا بد أن نقف قليلا أمام ذلك التصوير الفني المعجز لحالة معنوية خاصة،وأمام هذا الحكم الإلهي الجازم نكشف عن شيء من أسبابه وأسراره: «بَلى ! مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ..» ..الخطيئة كسب؟ إن المعنى الذهني المقصود هو اجتراح الخطيئة.ولكن التعبير يومىء إلى حالة نفسية معروفة ..