إن اللّه هو الحارس على كل نفس بالليل والنهار.وصفته هي الرحمة الكبرى،وليس من دونه راع ولا حام.فاسألهم:هل لهم حارس سواه؟
وهو سؤال للإنكار،وللتوبيخ على غفلتهم عن ذكر اللّه،وهو الذي يكلؤهم بالليل والنهار،ولا راعي لهم سواه: «بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ» .
ثم يعيد عليهم السؤال في صورة أخرى: «أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا؟» فتكون هي التي تحرسهم إذن وتحفظهم؟ كلا فهؤلاء الآلهة «لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ» فهم من باب أولى لا يستطيعون نصر سواهم.
«وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ» فيستمدوا القوة من صحبة القدرة لهم - كما استمدها هارون وموسى وربهما يقول لهما: «إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى » ..
إن هذه الآلهة مجردة من القوة بذاتها وليس لها مدد من اللّه تستمد منه القوة.فهي عاجزة عاجزة.
وبعد هذا الجدل التهكمي الذي يكشف عن سخف ما يعتقده المشركون وخوائه من المنطق والدليل ..يضرب السياق عن مجادلتهم ويكشف عن علة لجاجتهم ثم يلمس وجدانهم لمسة تهز القلوب،وهو يوجهها إلى تأمل يد القدرة،وهي تطوي رقعة الأرض تحت أقدام الغالبين،وتقص أطرافها فتردهم إلى حيز منها منزو صغير،بعد السعة والمنعة والسلطان!
«بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ.أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها؟ أَفَهُمُ الْغالِبُونَ؟» ..
فهو المتاع الطويل الموروث الذي أفسد فطرتهم.والمتاع ترف.والترف يفسد القلب ويبلد الحس.وينتهي إلى ضعف الحساسية باللّه،وانطماس البصيرة دون تأمل آياته.وهذا هو الابتلاء بالنعمة حين لا يستيقظ الإنسان لنفسه ويراقبها،ويصلها دائما باللّه،فلا تنساه.
ومن ثم يلمس السياق وجدانهم بعرض المشهد الذي يقع كل يوم في جانب من جنبات الأرض حيث تطوى رقعة الدول المتغلبة وتنحسر وتتقلص.فإذا هي دويلات صغيرة وكانت امبراطوريات.وإذا هي مغلوبة على أمرها وكانت غالبة.وإذا هي قليلة العدد وكانت كثيرة.قليلة الخيرات وكانت فائضة بالخيرات ..
والتعبير يرسم يد القدرة وهي تطوي الرقعة وتنقص الأطراف وتزوي الأبعاد ...فإذا هو مشهد ساحر فيه الحركة اللطيفة،وفيه الرهبة المخيفة! «أَفَهُمُ الْغالِبُونَ» ؟ فلا يجري عليهم ما يجري على الآخرين؟
وفي ظل هذا المشهد الذي ترتعش له القلوب يؤمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يلقي كلمة الإنذار: «قُلْ:إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ» ..