فهرس الكتاب

الصفحة 3042 من 4997

الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ؟» ولا يستكثرون على أنفسهم - وهم عبيد من عبيد اللّه - أن يكفروا به،ويعرضوا عما أنزل لهم من قرآن ..وهي مفارقة عجيبة تكشف عن مدى الفساد الذي أصاب فطرتهم وتقديرهم للأمور! ثم هم يستعجلون بما ينذرهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عذاب ويحذرهم من عاقبته.والإنسان بطبعه عجول: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ.سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ.وَيَقُولُونَ:مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ!» ..

« خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» ..فالعجلة في طبعه وتكوينه.وهو يمد ببصره دائما إلى ما وراء اللحظة الحاضرة يريد ليتناوله بيده،ويريد ليحقق كل ما يخطر له بمجرد أن يخطر بباله،ويريد أن يستحضر كل ما يوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه.ذلك إلا أن يتصل باللّه فيثبت ويطمئن،ويكل الأمر للّه فلا يتعجل قضاءه.والإيمان ثقة وصبر واطمئنان.

وهؤلاء المشركون كانوا يستعجلون بالعذاب،ويسألون متى هذا الوعد.الوعد بعذاب الآخرة وعذاب الدنيا ..فها هو ذا القرآن يرسم لهم مشهدا من عذاب الآخرة،ويحذرهم ما أصاب المستهزئين قبلهم من عذاب الدنيا: «لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ.بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ،فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ..وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» .

لو يعلمون ما سيكون لكان لهم شأن غير شأنهم،ولكفوا عن استهزائهم واستعجالهم ..فلينظروا ماذا سيكون.

ها هم أولاء تنوشهم النار من كل جانب،فيحاولون في حركة مخبلة - يرسمها التعبير من وراء السطور - أن يكفوا النار عن وجوههم وعن ظهورهم،ولكنهم لا يستطيعون.وكأنما تلقفتهم النار من كل جانب،فلا هم يستطيعون ردها،ولا هم يؤخرون عنها،ولا هم يمهلون إلى أجل قريب.

وهذه المباغتة جزاء الاستعجال.فلقد كانوا يقولون: «مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» فكان الرد هو هذه البغتة التي تذهل العقول،وتشل الإرادة،وتعجزهم عن التفكير والعمل،وتحرمهم مهلة الإنظار والتأجيل.

ذلك عذاب الآخرة.فأما عذاب الدنيا فقد حل بالمستهزئين قبلهم.فإذا كانوا هم لم يقدر عليهم عذاب الاستئصال،فعذاب القتل والأسر والغلب غير ممنوع.وليحذروا الاستهزاء برسولهم.وإلا فمصير المستهزئين بالرسل معروف،جرت به السنة التي لا تتخلف وشهدت به مصارع المستهزئين.

أم إن لهم من يرعاهم بالليل والنهار غير الرحمن،ويمنعهم من العذاب في الدنيا أو الآخرة من دون اللّه؟ «قُلْ:مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ؟ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ.أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا؟ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ،وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت