فهرس الكتاب

الصفحة 2861 من 4997

ولا ينص القرآن على جنسية هؤلاء الذين سلطهم على بني إسرائيل،لأن النص عليها لا يزيد في العبرة شيئا.والعبرة هي المطلوبة هنا.وبيان سنة اللّه في الخلق هو المقصود.

ويعقب السياق على النبوءة الصادقة والوعد المفعول،بأن هذا الدمار قد يكون طريقا للرحمة: «عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ» إن أفدتم منه عبرة.

فأما إذا عاد بنو إسرائيل إلى الإفساد في الأرض فالجزاء حاضر والسنة ماضية: «وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا» ..

ولقد عادوا إلى الإفساد فسلط اللّه عليهم المسلمين فأخرجوهم من الجزيرة كلها.ثم عادوا إلى الإفساد فسلط عليهم عبادا آخرين،حتى كان العصر الحديث فسلط عليهم «هتلر» ..ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة «إسرائيل» التي أذاقت العرب أصحاب الأرض الويلات.وليسلطن اللّه عليهم من يسومهم سوء العذاب،تصديقا لوعد اللّه القاطع،وفاقا لسنته التي لا تتخلف ..وإن غدا لناظره قريب!

ويختم السياق الآية بمصير الكافرين في الآخرة لما بينه وبين مصير المفسدين من مشاكلة: «وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا» ..تحصرهم فلا يفلت منهم أحد وتتسع لهم فلا يند عنها أحد.

الدرس الثالث:9 - 11 الاهتداء بالقرآن والإنسان العجول

ومن هذه الحلقة من سيرة بني إسرائيل،وكتابهم الذي آتاه اللّه لموسى ليهتدوا به فلم يهتدوا بل ضلوا فهلكوا ..ينتقل السياق إلى القرآن.القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ،وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا،وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا» ..

«إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» ..هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم،فيشمل الهدى أقواما وأجيالا بلا حدود من زمان أو مكان ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق،وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان.

يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور،بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض،والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة،وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء،وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق.

ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه،وبين مشاعره وسلوكه،وبين عقيدته وعمله،فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم،متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض،وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى اللّه،ولو كان هذا العمل متاعا واستمتاعا بالحياة.

ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة،فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء.ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار.ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت