بِالْفَحْشاءِ» إنما يعلم اللّه ما سيكون علمه بما هو كائن.فما سيكون - بالقياس إلى علم اللّه - كائن،وإن كان بالقياس إلى علم البشر لم يكن بعد،ولم يكشف عنه الستار.
ولقد قضى اللّه لبني إسرائيل في الكتاب الذي آتاه لموسى أنهم سيفسدون في الأرض مرتين،وأنهم سيعلون في الأرض المقدسة ويسيطرون.وكلما ارتفعوا فاتخذوا الارتفاع وسيلة للإفساد سلط عليهم من عباده من يقهرهم ويستبيح حرماتهم ويدمرهم تدميرا: «فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ،وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا» .
فهذه هي الأولى:يعلون في الأرض المقدسة،ويصبح لهم فيها قوة وسلطان،فيفسدون فيها.فيبعث اللّه عليهم عبادا من عباده أولي بأس شديد،وأولي بطش وقوة،يستبيحون الديار،ويروحون فيها ويغدون باستهتار،ويطأون ما فيها ومن فيها بلا تهيب «وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا» لا يخلف ولا يكذب.
حتى إذا ذاق بنو إسرائيل ويلات الغلب والقهر والذل فرجعوا إلى ربهم،وأصلحوا أحوالهم وأفادوا من البلاء المسلط عليهم.وحتى إذا استعلى الفاتحون وغرتهم قوتهم،فطغوا هم الآخرون وأفسدوا في الأرض،أدال اللّه للمغلوبين من الغالبين،ومكن للمستضعفين من المستكبرين: «ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا» ..ثم تتكرر القصة من جديد!
وقبل أن يتم السياق بقية النبوءة الصادقة والوعد المفعول يقرر قاعدة العمل والجزاء: « إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها» ..
القاعدة التي لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة والتي تجعل عمل الإنسان كله له،بكل ثماره ونتائجه.وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل،منه تنتج،وبه تتكيف وتجعل الإنسان مسؤولا عن نفسه،إن شاء أحسن إليها،وإن شاء أساء،لا يلومن إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء.
فإذا تقررت القاعدة مضى السياق يكمل النبوءة الصادقة: «فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ،وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ،وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا» ..
ويحذف السياق ما يقع من بني إسرائيل بعد الكرة من إفساد في الأرض،اكتفاء بذكره من قبل: «لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ» ويثبت ما يسلطه عليهم في المرة الآخرة: «فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ» بما يرتكبونه معهم من نكال يملأ النفوس بالإساءة حتى تفيض على الوجوه،أو بما يجبهون به وجوههم من مساءة وإذلال.ويستبيحون المقدسات ويستهينون بها: «وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ» ويدمرون ما يغلبون عليه من مال وديار «وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا» ..وهي صورة للدمار الشامل الكامل الذي يطغى على كل شيء، والذي لا يبقي على شيء.
ولقد صدقت النبوءة ووقع الوعد،فسلط اللّه على بني إسرائيل من قهرهم أول مرة،ثم سلط عليهم من شردهم في الأرض،ودمر مملكتهم فيها تدميرا.