لهذا التفسير ميزات كثيرة أهمها:
-الربط بين القرآن والحياة ربطا دقيقا جدا ...
تجد ذلك في كل مكان من الظلال ...قال رحمه الله:"فهذا الكتاب المنزل مصوغ من تلك الحروف التي في أيديهم،فإن كانوا يرتابون في تنزيله،فدونهم فليأتوا بسورة من مثله وليدعوا من يشهد لهم بهذا - من دون اللّه - فاللّه قد شهد لعبده بالصدق في دعواه.وهذا التحدي ظل قائما في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبعدها،وما يزال قائما إلى يومنا هذا وهو حجة لا سبيل إلى المماحكة فيها .. وما يزال القرآن يتميز من كل كلام يقوله البشر تميزا واضحا قاطعا." [1]
وقال رحمه الله:" «كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ» ..فهو التكريم والفضل أن تكون الرسالة فيكم،وأن يختار الرسول الأخير منكم،وقد كانت يهود تستفتح به عليكم! «يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا» ..فما يتلو عليكم هو الحق .. والإيحاء الآخر هو الإشعار بعظمة التفضل في أن يخاطب اللّه العبيد بكلامه يتلوه عليهم رسوله. وهو تفضل يرتعش القلب إزاءه حين يتعمق حقيقته. فمن هم هؤلاء الناس؟ من هم وما هم؟"
حتى يخاطبهم اللّه سبحانه بكلماته،ويتحدث إليهم بقوله،ويمنحهم هذه الرعاية الجليلة؟ من هم وما هم لولا أن اللّه يتفضل؟ ولولا أن فضل اللّه يفيض؟ ولولا أنه - سبحانه - منذ البدء منحهم فضل النفخة من روحه ليكون فيهم ما يستأهل هذا الإنعام،وما يستقبل هذا الإفضال؟
«وَيُزَكِّيكُمْ» ..ولولا اللّه ما زكي منهم من أحد،ولا تطهر ولا ارتفع. ولكنه أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - يطهرهم. يطهر أرواحهم من لوثة الشرك ودنس الجاهلية،ورجس التصورات التي تثقل الروح الإنساني وتطمره. ويطهرهم من لوثة الشهوات والنزوات فلا ترتكس أرواحهم في الحمأة. والذين لا يطهر الإسلام أرواحهم في جنبات الأرض كلها قديما وحديثا يرتكسون في مستنقع آسن وبيء من الشهوات والنزوات تزري بإنسانية الإنسان،وترفع فوقه الحيوان المحكوم بالفطرة،وهي أنظف كثيرا مما يهبط إليه الناس بدون الإيمان! ويطهر مجتمعهم من الربا والسحت والغش والسلب والنهب .. وهي كلها دنس يلوث الأرواح والمشاعر،ويلطخ المجتمع والحياة. ويطهر حياتهم من الظلم والبغي. وينشر العدل النظيف الصريح،الذي لم تستمتع به البشرية كما استمتعت في ظل الإسلام وحكم الإسلام ومنهج الإسلام. ويطهرهم من سائر اللوثات التي تلطخ وجه الجاهلية في كل مكان من حولهم،وفي كل مجتمع لا يزكيه الإسلام بروحه ومنهجه النظيف الطهور ..
(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [1 /48]