«وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ» ..وفيها شمول لما سبق من تلاوة الآيات وهي الكتاب وبيان للمادة الأصيلة فيه،وهي الحكمة،والحكمة ثمرة التعليم بهذا الكتاب وهي ملكة يتأتى معها وضع الأمور في مواضعها الصحيحة،ووزن الأمور بموازينها الصحيحة،وإدراك غايات الأوامر والتوجيهات .. وكذلك تحققت هذه الثمرة ناضجة لمن رباهم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وزكاهم بآيات اللّه.
«وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» ..وكان ذلك حقا في واقع الجماعة المسلمة،فقد التقطها الإسلام من البيئة العربية لا تعلم إلا أشياء قليلة متناثرة،تصلح لحياة القبيلة في الصحراء،أو في تلك المدن الصغيرة المنعزلة في باطن الصحراء. فجعل منها أمة تقود البشرية قيادة حكيمة راشدة،خبيرة بصيرة عالمة .. وكان هذا القرآن - مع توجيهات الرسول المستمدة كذلك من القرآن - هو مادة التوجيه والتعليم. وكان مسجد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الذي يتلى فيه القرآن والتوجيهات المستمدة من القرآن - هو الجامعة الكبرى التي تخرج فيها ذلك الجيل الذي قاد البشرية تلك القيادة الحكيمة الراشدة:القيادة التي لم تعرف لها البشرية نظيرا من قبل ولا من بعد في تاريخ البشرية الطويل.وما يزال هذا المنهج الذي خرّج ذلك الجيل وتلك القيادة على استعداد لتخريج أجيال وقيادات على مدار الزمان،لو رجعت الأمة المسلمة إلى هذا المعين،ولو آمنت حقا بهذا القرآن،ولو جعلته منهجا للحياة لا كلمات تغنى باللسان لتطريب الآذان!" [1] "
وقال رحمه الله:" «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» ..هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم،فيشمل الهدى أقواما وأجيالا بلا حدود من زمان أو مكان ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق،وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان."
يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور،بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض،والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة،وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء،وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق.
ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه،وبين مشاعره وسلوكه،وبين عقيدته وعمله،فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم،متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض،وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى اللّه،ولو كان هذا العمل متاعا واستمتاعا بالحياة.
ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة،فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء.ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار.ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال.
(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [1 /138]