ويخص البدن بالذكر لأنها أعظم الهدي،فيقرر أن اللّه أراد بها الخير لهم،فجعل فيها خيرا وهي حية تركب وتحلب،وهي ذبيحة تهدى وتطعم فجزاء ما جعلها اللّه خيرا لهم أن يذكروا اسم اللّه عليها ويتوجهوا بها إليه وهي تهيأ للنحر بصف أقدامها: «فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ» .والإبل تنحر قائمة على ثلاث معقولة الرجل الرابعة - «فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها» واطمأنت على الأرض بموتها أكل منها أصحابها استحبابا،وأطعموا منها الفقير القانع الذي لا يسأل والفقير المعتر الذي يتعرض للسؤال.فلهذا سخرها اللّه للناس ليشكروه على ما قدر لهم فيها من الخير حية وذبيحة: «كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ..
وهم حين يؤمرون بنحرها باسم اللّه «لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها» فإن اللحوم والدماء لا تصل إلى اللّه سبحانه.إنما تصل إليه تقوى القلوب وتوجهاتها - لا كما كان مشركو قريش يلطخون أوثانهم وآلهتهم بدماء الأضحيات على طريقة الشرك المنحرفة الغليظة! «كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ» ..فقد هداكم إلى توحيده والاتجاه إليه وإدراك حقيقة الصلة بين الرب والعباد،وحقيقة الصلة بين العمل والاتجاه.
«وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ» ..الذين يحسنون التصور،ويحسنون الشعور،ويحسنون العبادة،ويحسنون الصلة باللّه في كل نشاط الحياة.
وهكذا لا يخطو المسلم في حياته خطوة،ولا يتحرك في ليله أو نهاره حركة،إلا وهو ينظر فيها إلى اللّه.ويجيش قلبه فيها بتقواه،ويتطلع فيها إلى وجهه ورضاه.فإذا الحياة كلها عبادة تتحقق بها إرادة اللّه من خلق العباد،وتصلح بها الحياة في الأرض وهي موصولة السبب بالسماء.
تلك الشعائر والعبادات لا بد لها من حماية تدفع عنها الذين يصدون عن سبيل اللّه وتمنعهم من الاعتداء على حرية العقيدة وحرية العبادة،وعلى قداسة المعابد وحرمة الشعائر،وتمكن المؤمنين العابدين العاملين من تحقيق منهاج الحياة القائم على العقيدة،المتصل باللّه،الكفيل بتحقيق الخير للبشرية في الدنيا والآخرة.
ومن ثم أذن اللّه للمسلمين بعد الهجرة في قتال المشركين ليدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم اعتداء المعتدين،بعد أن بلغ أقصاه،وليحققوا لأنفسهم ولغيرهم حرية العقيدة وحرية العبادة في ظل دين اللّه،ووعدهم النصر والتمكين،على شرط أن ينهضوا بتكاليف عقيدتهم التي بينها لهم فيما يلي من الآيات:
«إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا،إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ،أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا.وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ،الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا:رَبُّنَا اللَّهُ.وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا.وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ