ومن هاتين الجولتين في أغوار الكون وأغوار التاريخ يردهم إلى الحقيقة التي يغفل عنها الغافلون.حقيقة البعث والمآب.وهي طرف من الحق الأكبر الذي يقوم عليه الوجود: «اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ..وهي حقيقة بسيطة واضحة.والترابط والتناسق بين جزئيها أو بين حلقتيها واضح كذلك.فالإعادة كالبدء لا غرابة فيها.وهما حلقتان في سلسلة النشأة،مترابطتان لا انفصام بينهما.والرجعة في النهاية إلى رب العالمين،الذي أنشأ النشأة الأولى والنشأة الآخرة،لتربية عباده ورعايتهم ومجازاتهم في النهاية على ما يعملون.
وعند ما يصل السياق إلى البعث والمآب يعرض مشهدا من مشاهد القيامة،ويرسم مصائر المؤمنين والمكذبين حين يرجعون ويكشف عن عبث اتخاذ الشركاء وسخف عقيدة المشركين: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ،وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ.وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ.فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ.وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ» ..
فها هي ذي الساعة التي يغفل عنها الغافلون،ويكذب بها المكذبون.ها هي ذي تجيء،أو ها هي ذي تقوم! وهؤلاء هم المجرمون حائرين يائسين،لا أمل لهم في نجاة،ولا رجاء لهم في خلاص.ولا شفاعة لهم من شركائهم الذين اتخذوهم في الحياة الدنيا ضالين مخدوعين! هؤلاء هم حائرين يائسين لا منقذ لهم ولا شفيع.ثم ها هم أولاء يكفرون بشركائهم الذين عبدوهم في الأرض وأشركوهم مع اللّه رب العالمين.
ثم ها هو ذا مفرق الطريق بين المؤمنين والكافرين: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواوَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ» ..ويتلقون فيها ما يفرح القلب ويسر الخاطر ويسعد الضمير.
«وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ» ..وتلك نهاية المطاف.وعاقبة المحسنين والمسيئين.
الدرس الخامس:17 - 27 من مشاهد يوم القيامة وعجائب الخلق
مقدمة الدرس
ومن هذه الجولة في مشاهد القيامة في العالم الآخر يعود بهم إلى هذا العالم،وإلى مشاهد الكون والحياة.وإلى عجائب الخلق وأسرار النفس،وإلى خوارق الأحداث ومعجزات التكوين.ويبدأ هذه الجولة بتسبيح اللّه حين تقلب الليل والنهار وحمد اللّه في الكون العريض بالعشي والأظهار:«فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ.وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ.يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ،وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ.وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ.وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا