ذلك شأن المقطع الأول من السورة.فأما بقيتها فواضح أنها نزلت فيما بعد.فهي تشير إلى مواقف وحوادث في السيرة لم تجىء إلا متأخرة،بعد تكليف الرسول - صلى الله عليه وسلم - إبلاغ الدعوة،والجهر بالعبادة،وقيام المشركين بالمعارضة.وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في السورة: «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلَّى؟» ...إلخ ولكن هناك تناسقا كاملا بين أجزاء السورة،وتسلسلا في ترتيب الحقائق التي تضمنتها بعد هذا المطلع المتقدم.
يجعل من السورة كلها وحدة منسقة متماسكة ..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْدًا إِذا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (14) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (18) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) }
الدرس الأول:1-5 بدء الوحي
« اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) » ..
إنها السورة الأولى من هذا القرآن،فهي تبدأ باسم اللّه.وتوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أول ما توجه،في أول لحظة من لحظات اتصاله بالملأ الأعلى،وفي أول خطوة من خطواته في طريق الدعوة التي اختير لها ..توجهه إلى أن يقرأ باسم اللّه: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» ..
وتبدأ من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق والبدء: «الَّذِي خَلَقَ» .
ثم تخصص:خلق الإنسان ومبدأه: «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ» ..من تلك النقطة الدموية الجامدة العالقة بالرحم.من ذلك المنشأ الصغير الساذج التكوين.فتدل على كرم الخالق فوق ما تدل على قدرته.فمن كرمه رفع هذا العلق إلى درجة الإنسان الذي يعلم فيتعلم: «اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ،الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» ..
وإنها لنقلة بعيدة جدا بين المنشأ والمصير.ولكن اللّه قادر.ولكن اللّه كريم.ومن ثم كانت هذه النقلة التي تدير الرؤوس! وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم ..تعليم الرب للإنسان «بِالْقَلَمِ» ...لأن