فهرس الكتاب
وترد في ثنايا هذه الحملة توجيهات للمؤمنين وتحذيرات.تدل على مدى ما كان لأفاعيل المنافقين في الصف المسلم - حينذاك - من آثار،وعلى مدى ضخامة الجبهة المنافقة وتغلغلها في حياة الجماعة المسلمة مما استدعى هذه الحملة،مع مراعاة «الواقع» يومئذ،وأخذ المسلمين خطوة خطوة في الابتعاد عن المنافقين واجتنابهم.
من ذلك أمرهم باجتناب مجالس المنافقين التي يتداولون فيها الكفر بآيات اللّه والاستهزاء بها.ولم يأمرهم - حينذاك - بمقاطعة المنافقين البتة.مما يدل على أن جبهة النفاق كانت ضخمة ومتغلغلة بصورة يصعب فيها على المسلمين مقاطعتهم! كذلك ترد في ثناياها تحذيرات للمسلمين من سمات النفاق ومقدماته كي لا يقعوا فيها.وأخصها موالاة الكافرين،وابتغاء العزة عندهم،والقوة بهم!
وتأمينهم بأن العزة للّه جميعا،وبأن اللّه لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا،وذلك مع رسم الصور البشعة للمنافقين في الدنيا وفي الآخرة.وتقرير أن مكانهم في الدرك الأسفل من النار.
وهذه التوجيهات والتحذيرات - بهذا الأسلوب - تشي بطريقة المنهج في علاج النفوس والأوضاع وتغيير الواقع في حدود الطاقة والملابسات القائمة كذلك،حتى ينتهي إلى تغييره نهائيا وإقامة «واقع» آخر جديد.
كما تشي بحالة الجماعة المسلمة حينذاك وموقفها من جبهة الكفر وجبهة النفاق المتعاونتين في حرب الجماعة المسلمة والدين الجديد.
ومن خلال هذه وتلك تتبين طبيعة المعركة التي كان القرآن يخوض بها الجماعة المسلمة،وطبيعة الأساليب المنهجية في قيادته للمعركة وللنفوس ..وهي المعركة الدائمة المتصلة بين الإسلام والجاهلية في كل زمان وكل مكان.وبين الجماعة المسلمة وأعدائها الذين تتغير أشخاصهم ووسائلهم ولكن لا تتغير طبيعتهم ومبادئهم.
ومن خلال هذا كله تبرز حقيقة هذا الكتاب ..القرآن ..ودوره في قيادة الأمة المسلمة.ليس بالأمس فقط - فما جاء ليقود جيلا دون جيل.إنما جاء ليقود هذه الأمة،وليكون مرشدها وهاديها،في جميع الأجيال والدهور ..
وفي نهاية الدرس تجيء تلك اللفتة العجيبة إلى استغناء اللّه - سبحانه - عن تعذيب العباد ..فهو لا يطلب منهم إلا أن يؤمنوا ويشكروا.وهو سبحانه غني عن إيمانهم وشكرهم.ولكن ذلك إنما هو لصلاح حالهم،وارتقاء مستواهم حتى يتأهلوا لحياة الآخرة،ومستوى النعيم في الجنة.فإذا هم ارتكسوا وانتكسوا فإنما يؤهلون أنفسهم لمستوى العذاب في الجحيم.حيث يسقط المنافقون إلى أحط الدركات «فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ..