واللّه سبحانه يعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالعون في كل جدل يقوم بينه وبين قومه.فهو على الحق،واللّه يمده بالحق الذي يعفى على الباطل.فأنى يقف جدلهم لحجة اللّه البالغة؟ وأنى يقف باطلهم للحق الدامغ الذي يتنزل من عند اللّه؟
وتنتهي هذه الجولة بمشهدهم يحشرون على وجوههم يوم القيامة،جزاء تأبيهم على الحق،وانقلاب مقاييسهم ومنطقهم في جدلهم العقيم: «الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ.أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا» ..ومشهد الحشر على الوجوه فيه من الإهانة والتحقير والانقلاب،ما يقابل التعالي والاستكبار،والإعراض عن الحق.وهو يضع هذا المشهد أمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعزية له عما يلقاه منهم.ويضعه أمامهم تحذيرا لهم مما ينتظرهم.وهو مشهد مجرد عرضه يذل كبرياءهم ويزلزل عنادهم،ويهز كيانهم.وقد كانت هذه الإنذارات تهزهم هزا،ولكنهم يتحاملون على أنفسهم ويظلون معاندين.
ثم يجول بهم جولة في مصارع المكذبين من السابقين: «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ،وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا فَقُلْنَا:اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا،فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا.وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا.وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ،وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا.وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ،وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا.وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها؟ بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا» ..
إنها أمثلة مختصرة سريعة ترسم مصائر المكذبين:
فهذا موسى يؤتى الكتاب ويرسل معه أخوه هارون وزيرا ومعينا.ويؤمر بمواجهة «الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» ذلك أن فرعون وملأه كانوا مكذبين بآيات اللّه - حتى قبل إرسال موسى وهارون إليهم،فآيات اللّه قائمة دائمة،والرسل إنما يذكرون بها الغافلين ..وقبل أن تتم الآية الثانية في السياق يرسم مصيرهم في عنف وإجمال «فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا» .
وهؤلاء قوم نوح: «لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ» ..وهم كذبوا نوحا وحده.ولكن نوحا إنما جاءهم بالعقيدة الواحدة التي أرسل بها الرسل جميعا.فلما كذبوه كانوا قد كذبوا الرسل جميعا. «وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً» فإن آية الطوفان لا تنسى على الدهر،وكل من نظر فيها اعتبر إن كان له قلب يتدبر «وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا» فهو حاضر لا يحتاج إلى إعداد.ويظهر لفظ الظالمين بدل الضمير لإثبات هذا الوصف لهم وبيان سبب العذاب.وهؤلاء عاد وثمود وأصحاب الرس [1] والقرون الكثيرة
(1) - البئر المطوية أي التي لم تبن حوائطها وقيل إن أصحابها كانوا بقرية باليمامة فقتلوا نبيهم. واختار ابن جرير أنهم أصحاب الأخدود الذين حرقوا المؤمنين فيه وقد ذكروا في سورة البروج. (السيد رحمه الله )