فهرس الكتاب

الصفحة 2781 من 4997

إن هذا التعقيب بتقرير الحق الذي تقوم به السماوات والأرض،والذي به كان خلقهما وما بينهما،لتعقيب عظيم الدلالة،عميق المعنى،عجيب التعبير.فماذا يشير إليه هذا القول: «وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ» ؟ إنه يوحي بأن الحق عميق في تصميم هذا الوجود:عميق في تكوينه.عميق في تدبيره.عميق في مصير هذا الوجود وما فيه ومن فيه ..عميق في تصميم هذا الوجود.فهو لم يخلق عبثا،ولم يكن جزافا،ولم يتلبس بتصميمه الأصيل خداع ولا زيف ولا باطل.والباطل طارئ عليه ليس عنصرا من عناصر تصميمه.عميق في تكوينه.فقوامه من العناصر التي يتألف منها حق لا وهم ولا خداع.والنواميس التي تحكم هذه العناصر وتؤلف بينها حق لا يتزعزع ولا يضطرب ولا يتبدل.ولا يتلبس به هوى أو خلل أو اختلاف.عميق في تدبيره.فبالحق يدبر ويصرف،وفق تلك النواميس الصحيحة العادلة التي لا تتبع هوى ولا نزوة،إنما تتبع الحق والعدل.

عميق في مصيره.فكل نتيجة تتم وفق تلك النواميس الثابتة العادلة وكل تغيير يقع في السماوات والأرض وما بينهما يتم بالحق وللحق.وكل جزاء يترتب يتبع الحق الذي لا يحابي.

ومن هنا يتصل الحق الذي خلق اللّه به السماوات والأرض وما بينهما،بالساعة الآتية لا ريب فيها.فهي آتية لا تتخلف.وهي جزء من الحق الذي قام به الوجود.فهي في ذاتها حقيقة،وقد جاءت لتحق الحق.

«فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ» ..ولا تشغل قلبك بالحنق والحقد،فالحق لا بد أن يحق: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ» ..الذي خلق ويعلم ما خلق ومن خلق.والخلق كله من إبداعه فلا بد أن يكون الحق أصيلا فيه،ولا بد أن ينتهي كل شيء فيه إلى الحق الذي بدأ منه وقام عليه.فهو فيه أصيل وما عداه باطل وزيف طارئ يذهب،فلا يبقى إلا ذلك الحق الكبير الشامل المستقر في ضمير الوجود.

الدرس الثاني :87 إتيانه فاتحة الكتاب والقرآن العظيم

يتصل بهذا الحق الكبير تلك الرسالة التي جاء بها الرسول.وذلك القرآن الذي أوتيه: « وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) » .والمثاني الأرجح أن المقصود بها آيات سورة الفاتحة السبع - كما ورد في الأثر - فهي تثنى وتكرر في الصلاة،أو يثنى فيها على اللّه [1] .

(1) - بعض التفاسير المأثورة تقول:إن المقصود بها السبع الطوال:البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة بوصفهما سورة واحدة. ولما كانت هذه السور مدنية فإنها تذكر أن هذه الآية مدنية. والذي يلهمه سياق السورة أن الآية مكية وأنها تشير إلى الفاتحة وآياتها السبع المثاني. ( السيد رحمه الله )

قلت:

وفي شرح مشكل الآثار للطحاوي:"بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } [الحجر:87] "

عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ قَائِمًا يُصَلِّي، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا صَلَّى أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي، أَمَا سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمُ } [الأنفال:24] الْآيَةَ،ثُمَّ قَالَ لِي:أَلَا أُعَلِّمُكَ سُورَةً أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ"فَمَشَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى كَادَ أَنْ يَبْلُغَ بَابَ الْمَسْجِدِ فَذَكَّرْتُهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"فَاتِحَةُ الْكِتَابِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ" (صحيح)

وعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَعَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَصَلَّى،ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ:"مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ ؟"قَالَ:إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ:أَلَمْ يَقُلِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمُ } [الأنفال:24] الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ:"أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ؟"فَكَأَنَّهُ نَسِيَهَا أَوْ نُسِّيَ،قُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ الَّذِي قُلْتَ، قَالَ:"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ" (صحيح)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ مِثْلَهَا"،فَسَأَلَهُ أُبَيٌّ عَنْهَا، فَقَالَ:"إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنَ الْبَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا"، فَجَعَلْتُ أَتَبَاطَأُ ثُمَّ سَأَلَهُ أُبَيٌّ عَنْهَا، فَقَالَ:"كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ"قُلْتُ:أُمَّ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، أَوْ قَالَ:الْفُرْقَانِ، مِثْلَهَا، إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ" ( صحيح)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أُمَّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلَهَا، إِنَّهَا لَسَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ" (صحيح)

"قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ،قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } [الحجر:87] قَالَ:وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . . . الْآيَةَ السَّابِعَةَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"قَدْ أَخْرَجَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكُمْ،وَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ" (صحيح) "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ.

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } [الحجر:87] ، قَالَ:"فَاتِحَةُ الْكِتَابِ"، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ:بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَالَ:هِيَ الْآيَةُ السَّابِعَةُ،وَقَرَأَ عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ" (صحيح) "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ خِلَافَ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَرْزُوقٍ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَفِي حَدِيثِ بَكَّارٍ هَذَا أَنَّهَا السَّبْعُ مِنَ الْمَثَانِي،وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } [الحجر:87] فَاتِحَةَ الْكِتَابِ الْمُرَادَةَ بِأَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي . وَأَنَّ مَعْنَى:وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، أَيْ:وَآتَيْنَاكَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ بِالنَّصْبِ وَلَمْ يَجِئْ بِالْخَفْضِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي السَّبْعِ الْمَثَانِي مَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْهُ أَنَّهَا السَّبْعُ الطُّوَلُ، فعَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } [الحجر:87] قَالَ:"السَّبْعُ الطُّوَلُ" (صحيح)

وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ مَا يُوَافِقُ مَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْهُ مِمَّا ذَكَرْنَا.وَيُخَالِفُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ قَالَ:"أُوتِيَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي الطُّوَلِ"

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: { سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } [الحجر:87] قَالَ"السَّبْعُ الطُّوَلُ"

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:وَكَانَ الْأَوْلَى بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ مَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ،فعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ:سَمِعْتُ عَبْدَ خَيْرٍ الْهَمْدَانِيَّ قَالَ:سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } [الحجر:87] قَالَ:"فَاتِحَةُ الْكِتَابِ" (حسن)

قَالَ:ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى طَلَبِ الْمَعْنَى لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى وَلِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَوَجَدْنَا ذَلِكَ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ:أَنَّهَا الْقُرْآنُ كُلُّهُ، أَيْ:فِي الثَّوَابِ بِهَا أَنَّهُ كَالثَّوَابِ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ، كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي: { قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ } [الإخلاص:1] أَنَّ الثَّوَابَ بِهَا كَالثَّوَابِ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ . وَأُطْلِقَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّهَا ثُلُثُ الْقُرْآنِ ،فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ كُلَّ لَيْلَةٍ ؟"قَالُوا:وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ قَالَ:"قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ" (صحيح)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:"أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ"فَقَرَأَ:قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ حَتَّى خَتَمَهَا" (صحيح) "

وعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - , قَالَ:"جَزَّأَ اللهُ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ جُزْءٌ مِنْهُ" (صحيح)

وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ"، فَكَبُرَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ، قَالَ:"اللهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ" (صحيح)

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ثُلُثُ الْقُرْآنِ، بِمَعْنَى أَنَّهَا ثُلُثُ الْقُرْآنِ بِالثَّوَابِ بِهَا،وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ،فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ:قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ,وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَلَّلُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ" (صحيح)

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ:أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ:قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:إِنَّ فُلَانًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ" (صحيح)

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:فَكَانَ مَعْنَى مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ أَنَّ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنَ هُوَ مَعْنَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا قَبْلَهَا فِي قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ أَنَّهَا ثُلُثُ الْقُرْآنِ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا فِي الثَّوَابِ كَثُلُثِ الْقُرْآنِ جَازَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَيْضًا فِي الْآثَارِ الَّتِي رُوِيَتْ فِيهَا الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهَا الْقُرْآنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا فِي الثَّوَابِ بِهَا كَالثَّوَابِ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ.وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ"شرح مشكل الآثار [3 /241] (1206-1223) "

وقال ابن كثير:

"وقد اختلف في السبع المثاني:ما هي؟ فقال ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك وغير واحد:هي السبع الطُّوَل. يعنون:البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، نص عليه ابن عباس، وسعيد بن جبير."

والقول الثاني:أنها الفاتحة، وهي سبع آيات. رُوي ذلك عن عمر وعلي، وابن مسعود، وابن عباس. قال ابن عباس:والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها. وبه قال إبراهيم النخعي، وعبد الله بن عبيد بن عُمَيْر، وابن أبي مليكة، وشَهْر بن حَوْشَب، والحسن البصري، ومجاهد.واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك،...

وهي نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطُّوَل بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضًا، كما قال تعالى: { اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ } [الزمر:23] فهو مثاني من وجه، ومتشابه من وجه، وهو القرآن العظيم أيضًا، كما أنه، عليه السلام لما سُئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قُباء، فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم."تفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /546] "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت