إن كل شيء في السماوات والأرض سبح للّه.مالك السماوات والأرض.الذي لا شريك له في ملكه.فهو تسبيح المملوك لمالكه المتفرد،الذي يحيي ويميت،فيخلق الحياة ويخلق الموت.ويقدر الحياة لكل حي ويقدر له الموت فلا يكون إلا قدره الذي قضاه.والحياة ما تزال سرا في طبيعتها،وسرا في مصدرها ولا يملك أحد أن يقول من أين جاءت،ولا كيف جاءت.فضلا على أن أحدا لا يدري ما هي على وجه الحقيقة.والنص القرآني يقول:إن اللّه هو الذي يحيي.الذي يعطي الحياة للأحياء.وما يملك أحد أن ينكر هذا ولا أن يثبت غيره.والموت كالحياة سر مغلف.
لا يعرف أحد طبيعته ولا يملك أحد أن يحدثه.لأن أحدا غير واهب الحياة لا يملك سلبها ..وهذا وذلك من مظاهر الملكية المطلقة للّه في السماوات والأرض يحيي ويميت ...
«وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..إجمالا بغير حد ولا قيد.فالمشيئة المطلقة تمضي بغير حد ولا قيد.وتتعلق بما تشاء أن تتعلق به كما تشاء.وكل قيد يتصوره العقل البشري بمنطقه هو لهذه المشيئة من أي نوع وأي لون هو تصور باطل،ناشئ من طبيعة العقل البشري المحدود! واختيار المشيئة لنواميس وسنن لهذا الوجود داخل في حقيقة انطلاقها بلا قيود ولا حدود.فهي تختار هذه النواميس والسنن اختيارا طليقا،وتعملها في الكون غير مقيدة بها بعد إعمالها،ولا محصورة في نطاقها.والاختيار دائم ومطرد وراء هذه السنن والنواميس ..
والقرآن يولي هذه الحقيقة عناية كبيرة،فينص عليها في كل مناسبة بما يفيد طلاقة المشيئة من كل قيد يرد عليها حتى من عملها هي.لتبقى هذه الحقيقة واضحة،ويبقى تصورها غير مشوب.فقد وعد اللّه أهل الجنة بالخلود فيها وأهل النار كذلك.وهذا الوعد صادر من المشيئة.ولكنه أبقى المشيئة طليقة خارج نطاق هذا الوعد ذاته وهو من عملها وباختيارها.فقال عن هؤلاء وهؤلاء: «خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ..» ..وهكذا في كل موضع وردت فيه مثل هذه المناسبة.ولا مجال لمنطق العقل البشري ولا لمقرراته في هذا المجال.وعليه أن يأخذ مقرراته كلها من هذا القرآن،لا من معين آخر غير القرآن!
ومن ثم يتمثل للقلب البشري من خلال هذه الآية سلطان اللّه المطلق في ملكه الذي لا شريك له فيه،والذي يتوجه إليه سبحانه بالتسبيح وحق له أن يتوجه،وحق عليه أن يسبح.وما يكاد يفيق من تصور هذه الحقيقة الضخمة التي تملأ الكيان البشري وتفيض،حتى تطالعه حقيقة أخرى،لعلها أضخم وأقوى.حقيقة أن لا كينونة لشيء في هذا الوجود على الحقيقة.فالكينونة الواحدة الحقيقية هي للّه وحده سبحانه ومن ثم فهي محيطة بكل شيء، عليمة بكل شيء: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..الأول فليس قبله شيء.والآخر فليس بعده شيء.والظاهر فليس فوقه