والآن وقد كشف لهم عما في معتقداتهم وتصوراتهم وتصرفاتهم من وهن وسخف وهزال. وقد بين لهم أنها لا تقوم على علم ولا بينة ولا أساس. وقد ردهم إلى نشأة الحرث والأنعام التي يتصرفون فيها من عند أنفسهم،أو بوحي شياطينهم وشركائهم،بينما هؤلاء لم يخلقوها لهم،إنما الذي خلقها لهم هو اللّه،الذي يجب أن تكون له وحده الحاكمية فيما خلق وفيما رزق،وفيما أعطى من الأموال للعباد ..
الآن يقرر لهم ما حرمه اللّه عليهم من هذا كله. ما حرمه اللّه حقا عن بينة ووحي،لا عن ظن ووهم. واللّه هو صاحب الحاكمية الشرعية،الذي إذا حرم الشيء فهو حرام،وإذا أحله فهو حلال بلا تدخل من البشر ولا مشاركة ولا تعقيب في سلطان الحاكمية والتشريع .. وبالمناسبة يذكر ما حرمه اللّه على اليهود خاصة،وأحله للمسلمين،فقد كان عقوبة خاصة لليهود على ظلمهم وبعدهم عن شرع اللّه!
«قُلْ:لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ،إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً،أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ - فَإِنَّهُ رِجْسٌ - أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. فَمَنِ اضْطُرَّ - غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ - فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ. وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما - إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ - ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ. فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ:رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ،وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» ..
قال أبو جعفر:يقول جل ثناؤه لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -:قل،يا محمد،لهؤلاء الذين جعلوا لله ممّا ذَرأ من الحرث والأنعام نصيبًا،ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله = والقائلين هذه أنعام وحرث حجرٌ لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم= والمحرّمين من أنعام أُخَر ظهورَها= والتاركين ذكر اسم الله على أُخَر منها= والمحرِّمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم،ومحلِّيه لذكورهم،المحرّمين ما رزقهم الله افتراءً على الله،وإضافةً منهم ما يحرمون من ذلك إلى أنَّ الله هو الذي حرّمه عليهم=:أجاءكم من الله رسولٌ بتحريمه ذلك عليكم،فأنبئونا به،أم وصَّاكم الله بتحريمه مشاهدةً منكم له،فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه؟ فإنكم كذبة إن ادعيتم ذلك،ولا يمكنكم دعواه،لأنكم إذا ادّعيتموه علم الناس كذبكم= فإني لا أجد فيما أوحي إليّ من كتابه وآي تنزيله، (1) شيئًا محرَّمًا على آكل يأكله مما تذكرون أنه حرمه من هذه الأنعام التي تصفون تحريمَ ما حَرّم عليكم منها بزعمكم ="إلا أن يكون ميتة"،قد ماتت بغير تذكية ="أو دمًا مسفوحًا"،وهو المُنْصَبّ = أو إلا أن يكون لحم خنزير = (فإنه رجس أو فسقًا) ،يقول:أو إلا أن يكون فسقًا،يعني بذلك:أو إلا أن يكون مذبوحًا ذبحه ذابحٌ من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته،فذكر عليه اسم وثنه،فإن ذلك الذبح فسقٌ نهى الله عنه وحرّمه،ونهى من آمن به عن أكل ما ذبح كذلك،لأنه ميتة .