ثم يرسم السياق للكون كله بما فيه ومن فيه مشهدا فريدا،تحت عرش اللّه،يتوجه كله إلى اللّه،يسبح له ويجد الوسيلة إليه: «تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ،وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ،وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ،إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا» ..
وهو تعبير تنبض به كل ذرة في هذا الكون الكبير،وتنفض روحا حية تسبح اللّه.فإذا الكون كله حركة وحياة،وإذا الوجود كله تسبيحة واحدة شجية رخية،ترتفع في جلال إلى الخالق الواحد الكبير المتعال.وإنه لمشهد كوني فريد،حين يتصور القلب.كل حصاة وكل حجر.كل حبة وكل ورقة.كل زهرة وكل ثمرة.كل نبتة وكل شجرة.كل حشرة وكل زاحفة.كل حيوان وكل إنسان.كل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء والهواء ..ومعها سكان السماء ..كلها تسبح اللّه وتتوجه إليه في علاه.
وإن الوجدان ليرتعش وهو يستشعر الحياة تدب في كل ما حوله مما يراه ومما لا يراه،وكلما همت يده أن تلمس شيئا،وكلما همت رجله أن تطأ شيئا ..سمعه يسبح للّه،وينبض بالحياة.
«وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» يسبح بطريقته ولغته «وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» لا تفقهونه لأنكم محجوبون بصفاقة الطين،ولأنكم لم تتسمعوا بقلوبكم،ولم توجهوها إلى أسرار الوجود الخفية،وإلى النواميس التي تنجذب إليها كل ذرة في هذا الكون الكبير،وتتوجه بها إلى خالق النواميس،ومدبر هذا الكون الكبير.
وحين تشف الروح وتصفو فتتسمع لكل متحرك أو ساكن وهو ينبض بالروح،ويتوجه بالتسبيح،فإنها تتهيأ للاتصال بالملأ الأعلى،وتدرك من أسرار هذا الوجود ما لا يدركه الغافلون،الذين تحول صفاقة الطين بين قلوبهم وبين الحياة الخفية الساربة في ضمير هذا الوجود،النابضة في كل متحرك وساكن،وفي كل شيء في هذا الوجود.
«إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا» ..وذكر الحلم هنا والغفران بمناسبة ما يبدو من البشر من تقصير في ظل هذا الموكب الكوني المسبح بحمد اللّه،بينما البشر في جحود وفيهم من يشرك باللّه،ومن ينسب له البنات،ومن يغفل عن حمده وتسبيحه.والبشر أولى من كل شيء في هذا الكون بالتسبيح والتحميد والمعرفة والتوحيد.ولولا حلم اللّه وغفرانه لأخذ البشر أخذ عزيز مقتدر.ولكنه يمهلهم ويذكرهم ويعظهم ويزجرهم «إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا» .
ولقد كان كبراء قريش يستمعون إلى القرآن،ولكنهم يجاهدون قلوبهم ألا ترق له،ويمانعون فطرتهم أن تتأثر به فجعل اللّه بينهم وبين الرسول حجابا،حجابا خفيا،وجعل على قلوبهم كالأغفلة فلا تفقه القرآن،وجعل في آذانهم كالصمم فلا تعي ما فيه من توجيه:« وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا.وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا.وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا.نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ،إِذْ يَسْتَمِعُونَ