إدْرِيسَ أَنّ عُبَادَةَ بْنَ الصّامِتِ حَدّثَهُ أَنّهُ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاَللّهِ شَيْئًا،وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا،وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ فَإِنْ وَفَيْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنّةُ،وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ ( شَيْئًا ) فَأُخِذْتُمْ بِحَدّهِ فِي الدّنْيَا،فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَإِنْ سُتِرْتُمْ عَلَيْهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَمْرُكُمْ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ إنْ شَاءَ عَذّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَر .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:فَلَمّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ،وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمْ الْقُرْآنَ وَيُعَلّمَهُمْ الْإِسْلَامَ وَيُفَقّهَهُمْ فِي الدّينِ فَكَانَ يُسَمّى الْمُقْرِئَ بِالْمَدِينَةِ:مُصْعَبٌ .وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ أَبِي أُمَامَةَ .قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ:أَنّهُ كَانَ يُصَلّي بِهِمْ وَذَلِكَ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَؤُمّهُ بَعْضٌ . [1]
وأخذ المسلمون في مكة يهاجرون إلى المدينة تباعا،تاركين وراءهم كل شيء،ناجين بعقيدتهم وحدها،حيث لقوا من إخوانهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم،من الإيثار والإخاء ما لم تعرف له الإنسانية نظيرا قط.ثم هاجر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه الصديق.هاجر إلى القاعدة الحرة القوية الآمنة التي بحث عنها من قبل طويلا ..وقامت الدولة الإسلامية في هذه القاعدة منذ اليوم الأول لهجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
من أولئك السابقين من المهاجرين والأنصار تكونت طبقة ممتازة من المسلمين نوه القرآن بها في مواضع كثيرة.وهنا نجد السورة تفتتح بتقرير مقوّمات الإيمان،وهي تمثل صفة المؤمنين الصادقين إطلاقا.ولكنها أولا تصف ذلك الفريق من المسلمين الذي كان قائما بالمدينة حينذاك: «الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ،هُدىً لِلْمُتَّقِينَ،الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ،وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ،وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ،وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» ..
ثم نجد بعدها مباشرة في السياق وصفا للكفار وهو يمثل مقومات الكفر على الإطلاق.ولكنه أولا وصف مباشر للكفار الذين كانت الدعوة تواجههم حينذاك،سواء في مكة أو فيما حول المدينة ذاتها من طوائف الكفار: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ،وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ،وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» ..
كذلك كانت هناك طائفة المنافقين.ووجود هذه الطائفة نشأ مباشرة من الأوضاع التي أنشأتها الهجرة النبوية إلى المدينة في ظروفها التي تمت فيها،والتي أشرنا إليها من قبل ولم يكن لها وجود بمكة.فالإسلام
(1) - سيرة ابن هشام [1 /428] وغالبها بين الصحيح والصحيح المرسل