فهرس الكتاب

الصفحة 4182 من 4997

فيا للهول! ودعوة اللّه عليهم بالقتل قضاء بالقتل! «قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ» ويزيد أمرهم وضوحا: «الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ» فهم مغمورون بالأضاليل والأوهام لا يفيقون ولا يستيقظون.والتعبير يلقي ظلا خاصا،يصور القوم مغمورين ساهين لا يشعرون بشيء مما حولهم ولا يتبينون.كأنهم سكارى مذهولون! ذلك أنهم لا يتبينون الأمر الواضح،الذي يراه ويوقن به كل واع غير مذهول فهم «يَسْئَلُونَ:أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ» ؟ يسألون هكذا،لا طلبا للعلم والمعرفة،ولكن استنكارا وتكذيبا،واستبعادا لمجيئه،يعبر عنه لفظ «أَيَّانَ» المقصود! ومن ثم يعاجلهم بمشهدهم في هذا اليوم الذي يستبعدونه ويستنكرونه وهم يحرقون بالنار كحرق المعدن لتمييز حقيقته: «يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ» ! ومعه التبكيت المؤلم في الموقف العصيب: «ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ.هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ» ..

فهذه المعالجة هي الجواب اللائق بهذا التساؤل.وهذا العنف في المشهد هو المقابل للذهول والسهوة التي يعيش فيها الخراصون.وهو مصداق دعوة اللّه عليهم بالقتل في أشد صوره وأعنفها:يوم هم على النار يفتنون!

الدرس الثالث:15 - 16 من صفات المتقين

وعلى الضفة الأخرى وفي الصفحة المقابلة يرتسم مشهد آخر،لفريق آخر،فريق مستيقن لا يخرص تقي لا يتبجح مستيقظ يعبد ويستغفر،ولا يقضي العمر في غمرة وذهول: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ.كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ.وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» ..

فهذا الفريق.فريق المتقين.الأيقاظ.الشديدي الحساسية برقابة اللّه لهم،ورقابتهم هم لأنفسهم.هؤلاء «فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ» .. «آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ» من فضله وإنعامه،جزاء ما أسلفوا في الحياة الدنيا من عبادة للّه كأنهم يرونه،ويقين منهم بأنه يراهم: «إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ» ..

ويصور إحسانهم صورة خاشعة،رفافة حساسة: «كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ.وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» ..فهم الأيقاظ في جنح الليل والناس نيام،المتوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام لا يطعمون الكرى إلا قليلا،ولا يهجعون في ليلهم إلا يسيرا.يأنسون بربهم في جوف الليل فتتجافى جنوبهم عن المضاجع،ويخف بهم التطلع فلا يثقلهم المنام!

عن قتادة، في قوله ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) قال:قال الحسن:كابدوا قيام الليل. [1]

وعن قتادة، قال:كان الحسن يقول:لا ينامون منه إلا قليلا. [2]

وعَنِ الْحَسَنِ قَالَ:"مَدُّوا فِي الصَّلَاةِ وَنَشِطُوا،حَتَّى كَانَ الِاسْتِغْفَارُ بِسَحَرَ" [3]

(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [22 /408] صحيح

(2) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [22 /408] صحيح

(3) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ ( 29676 ) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت