في شهادته أو أدى شهادة ضد هذا الدين.شهادة تصد الآخرين عنه.وهم يرون أهله يشهدون عليه لا له! وويل لمن يصد الناس عن دين اللّه عن طريق ادعائه أنه مؤمن بهذا الدين،وما هو من المؤمنين! [1]
ويمضي السياق إلى خاتمة القصة بين عيسى - عليه السلام - وبني إسرائيل: «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ،وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.إِذْ قالَ اللَّهُ:يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ،وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا،وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ،فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ.وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ،وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» ..
والمكر الذي مكره اليهود الذين لم يؤمنوا برسولهم - عيسى عليه السلام - مكر طويل عريض.فقد قذفوه عليه السلام وقذفوا الطاهرة أمه مع يوسف النجار خطيبها الذي لم يدخل بها كما تذكر الأناجيل ..وقد اتهموه بالكذب والشعوذة ووشوا به إلى الحاكم الروماني «بيلاطس» وادعوا أنه «مهيج» يدعو الجماهير للانتقاض على الحكومة! وأنه مشعوذ يجدف ويفسد عقيدة الجماهير! حتى سلم لهم بيلاطس بأن يتولوا عقابه بأيديهم،لأنه لم يجرؤ - وهو وثني - على احتمال تبعة هذا الإثم مع رجل لم يجد عليه ريبة ..وهذا قليل من كثير ..
«وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ.وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» ..والمشاكلة هنا في اللفظ هي وحدها التي تجمع بين تدبيرهم وتدبير اللّه ..والمكر التدبير ..ليسخر من مكرهم وكيدهم إذا كان الذي يواجهه هو تدبير اللّه.فأين هم من اللّه؟ وأين مكرهم من تدبير اللّه؟
لقد أرادوا صلب عيسى - عليه السلام - وقتله.وأراد اللّه أن يتوفاه،وأن يرفعه إليه،وأن يطره من مخالطة الذين كفروا والبقاء بينهم وهم رجس ودنس،وأن يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ..وكان ما أراده اللّه.وأبطل اللّه مكر الماكرين: «إِذْ قالَ اللَّهُ:يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا،وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ» .
فأما كيف كانت وفاته،وكيف كان رفعه ..فهي أمور غيبية تدخل في المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا اللّه.ولا طائل وراء البحث فيها.لا في عقيدة ولا في شريعة.والذين يجرون وراءها،ويجعلونها مادة للجدل،ينتهي بهم الحال إلى المراء،وإلى التخليط،وإلى التعقيد.دون ما جزم بحقيقة،ودون ما راحة بال في أمر موكول إلى علم اللّه.
(1) - يراجع البحث القيم للأستاذ المودودي بعنوان: «شهادة الحق» . ( السيد رحمه الله )