المدبرة لتلك الأطوار لا تقف بالحياة عند مرحلة الموت والبلى كما يظنون ..لذلك هم يستعجبون ويعجبون من ذلك الذي يعدهم أنهم مخرجون ويستبعدون في جهالة أن ذلك يكون ويجزمون في تبجح بأن ليس هنالك إلا حياة واحدة وموت واحد.يموت جيل ويحيا بعده جيل.فأما الذين ماتوا،وصاروا ترابا وعظاما،فهيهات هيهات الحياة لهم،كما يقول ذلك الرجل الغريب! وهيهات هيهات البعث الذي يعدهم به،وقد صاروا عظاما ورفاتا! ثم إنهم لا يقفون عند هذه الجهالة،والغفلة عن تدبر حكمة الحياة التي تكشف عنها أطوارها الأولى ..لا يقفون عند هذه الجهالة،إنما هم يتهمون رسولهم بالافتراء على اللّه.ولا يعرفون اللّه إلا في هذه اللحظة،ولهذا الغرض من اتهام الرسول: «إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا،وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ» ..
عندئذ لم يجد الرسول إلا أن يستنصر ربه كما استنصره من قبله نوح.وبالعبارة ذاتها التي توجه بها إلى ربه نوح: «قالَ:رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ» ..
وعندئذ وقعت الاستجابة،بعد أن استوفى القوم أجلهم ولم يعد فيهم خير يرجى بعد العناد والغفلة والتكذيب: «قالَ:عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ» ..ولكن حيث لا ينفع الندم،ولا يجدي المتاب:
«فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ،فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً» ..والغثاء ما يجرفه السيل من حشائش وأعشاب وأشياء مبعثرة،لا خير فيها،ولا قيمة لها،ولا رابط بينها ..وهؤلاء لما تخلوا عن الخصائص التي كرمهم اللّه بها،وغفلوا عن حكمة وجودهم في الحياة الدنيا،وقطعوا ما بينهم وبين الملأ الأعلى ..لم يبق فيهم ما يستحق التكريم فإذا هم غثاء كغثاء السيل،ملقى بلا احتفال ولا اهتمام وذلك من فرائد التعبير القرآني الدقيق.ويزيدهم على هذه المهانة،الطرد من رحمة اللّه،والبعد عن اهتمام الناس: «فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..بعدا في الحياة وفي الذكرى.في عالم الواقع وفي عالم الضمير ..
ويمضي السياق بعد ذلك في استعراض القرون: «ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ.ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ.ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا.كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ.فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا،وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ.فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» ..هكذا في إجمال،يلخص تاريخ الدعوة،ويقرر سنة اللّه الجارية،في الأمد الطويل بين نوح وهود في أول السلسلة،وموسى وعيسى في أواخرها ..كل قرن يستوفي أجله ويمضي: «ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ» .وكلهم يكذبون: «كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ» .وكلما كذب المكذبون أخذتهم سنة اللّه: «فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا» .وبقيت العبرة ماثلة في مصارعهم لمن يعتبرون: «وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ» تتناقلها القرون.
ويختم هذا الاستعراض الخاطف المجمل باللعنة والطرد والاستبعاد من العيون والقلوب: «فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» .
الدرس الرابع:45 - 48 تكذيب فرعون وملئه بموسى وهارون