وعبادة اللّه وحده منهج كامل للحياة،يشمل تصور الإنسان لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ولحقيقة الصلة بين الخلق والخالق،ولحقيقة القوى والقيم في الكون وفي حياة الناس ..ومن ثم ينبثق نظام للحياة البشرية قائم على ذلك التصور،فيقوم منهج للحياة خاص.منهج رباني مرجعه إلى حقيقة الصلة بين العبودية والألوهية،وإلى القيم التي يقررها اللّه للأحياء والأشياء.
وتقوى اللّه ..هي الضمانة الحقيقية لاستقامة الناس على ذلك المنهج،وعدم التلفت عنه هنا أو هناك،وعدم الاحتيال عليه أو الالتواء في تنفيذه.كما أنها هي مبعث الخلق الفاضل المنظور فيه إلى اللّه،بلا رياء ولا تظاهر ولا مماراة.
وطاعة الرسول ..هي الوسيلة للاستقامة على الطريق،وتلقي الهدى من مصدره المتصل بالمصدر الأول للخلق والهداية،وبقاء الاتصال بالسماء عن طريق محطة الاستقبال المباشرة السليمة المضمونة! فهذه الخطوط العريضة التي دعا نوح إليها قومه في فجر البشرية هي خلاصة دعوة اللّه في كل جيل بعده،وقد وعدهم عليها ما وعد اللّه به التائبين الثائبين: «يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» ..
وجزاء الاستجابة للدعوة إلى عبادة اللّه وتقواه وطاعة رسوله هي المغفرة والتخليص من الذنوب التي سلفت وتأخير الحساب إلى الأجل المضروب له في علم اللّه.وهو اليوم الآخر.وعدم الأخذ في الحياة الدنيا بعذاب الاستئصال (وسيرد في الحساب الذي قدمه نوح لربه أنه وعدهم أشياء أخرى في أثناء الحياة) .ثم بين لهم أن ذلك الأجل المضروب حتمي يجيء في موعده،ولا يؤخر كما يؤخر عذاب الدنيا ..وذلك لتقرير هذه الحقيقة الاعتقادية الكبرى: «إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ،لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ..
كما أن النص يحتمل أن يكون هذا تقريرا لكل أجل يضربه اللّه ليقر في قلوبهم هذه الحقيقة بوجه عام.بمناسبة الحديث عن الوعد بتأخير حسابهم - لو أطاعوا وأنابوا - إلى يوم الحساب.
وراح نوح - عليه السلام - يواصل جهوده النبيلة الخالصة الكريمة لهداية قومه،بلا مصلحة له،ولا منفعة ويحتمل في سبيل هذه الغاية النبيلة ما يحتمل من إعراض واستكبار واستهزاء ..ألف سنة إلا خمسين عاما ..وعدد المستجيبين له لا يكاد يزيد ودرجة الإعراض والإصرار على الضلال ترتفع وتزداد! ثم عاد في نهاية المطاف يقدم حسابه لربه الذي كلفه هذا الواجب النبيل وذلك الجهد الثقيل! عاد يصف ما صنع وما لا قى ..وربه يعلم.وهو يعرف أن ربه يعلم.ولكنها شكوى القلب المتعب في نهاية المطاف،إلى الجهة الوحيدة التي يشكو إليها الأنبياء والرسل والمؤمنون حقيقة الإيمان ..إلى اللّه:« قالَ:رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا،فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِرارًا وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ،وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ،وَأَصَرُّوا،وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا.ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا،ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا.فَقُلْتُ:اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا،يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ