اللّه في النار.لما قيل لهم هذا ضرب بعضهم المثل بعيسى ابن مريم - وقد عبده المنحرفون من قومه - أهو في النار؟ وكان هذا مجرد جدل ومجرد مراء.ثم قالوا:إذا كان أهل الكتاب يعبدون عيسى وهو بشر فنحن أهدى إذ نعبد الملائكة وهم بنات اللّه! وكان هذا باطلا يقوم على باطل.وبهذه المناسبة يذكر السياق طرفا من قصة عيسى ابن مريم،يكشف عن حقيقته وحقيقة دعوته،واختلاف قومه من قبله ومن بعده ..ثم يهدد المنحرفين عن سواء العقيدة جميعا بمجيء الساعة بغتة.وهنا يعرض مشهدا مطولا من مشاهد القيامة،يتضمن صفحة من النعيم للمتقين،وصفحة من العذاب الأليم للمجرمين.وينفي أساطيرهم عن الملائكة،وينزه اللّه - سبحانه - عما يصفون،ويعرفه لعباده ببعض صفاته وملكيته المطلقة للسماء والأرض والدنيا والآخرة وإليه يرجعون.ويختم السورة بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الصفح عنهم والإعراض ويدعهم ليعلموا ما سيعلمون! وهو تهديد ملفوف يليق بالمجادلين المرائين بعد هذا الإيضاح والتبيين.
«وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ.وَقالُوا:أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ؟ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا.بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ.إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ.وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ.وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ،هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» ..
«وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ:قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ،فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ،فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ» ..
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:ثُمّ قَامَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَعْرَى السّهْمِيّ حَتّى جَلَسَ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَعْرَى:وَاَللّهِ مَا قَامَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لَابْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ آنِفًا وَمَا قَعَدَ وَقَدْ زَعَمَ مُحَمّدٌ أَنّا وَمَا نَعْبُدُ مِنْ آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنّمَ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَعْرَى:أَمَا وَاَللّهِ لَوْ وَجَدْته لَخَصَمْته،فَسَلُوا مُحَمّدًا:أَكُلّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ فِي جَهَنّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ ؟ فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَالْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا،وَالنّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ( عَلَيْهِمَا السّلَامُ ) ،فَعَجِبَ الْوَلِيدُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَعْرَى،وَرَأَوْا أَنّهُ قَدْ احْتَجّ وَخَاصَمَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ قَوْلِ ابْنِ الزّبَعْرَى،فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ( إنّ ) كُلّ مَنْ أَحَبّ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ إنّهُمْ إنّمَا يَعْبُدُونَ الشّيَاطِينَ وَمَنْ أَمَرَتْهُمْ بِعِبَادَتِهِ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ { إِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ } أَيْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ،وَعُزَيْرًا،وَمَنْ عُبِدُوا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ الّذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللّهِ فَاِتّخَذَهُمْ مَنْ يَعْبُدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضّلَالَةِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ .وَنَزَلَ فِيمَا يَذْكُرُونَ أَنّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَأَنّهَا