يثيرهم طيف المرأة يخطر في خيالهم،أكثر مما يثيرهم شخص المرأة بين أيديهم - وهي حالات معروفة عند علماء الأمراض النفسية اليوم - وسماع وسوسة الحلي أو شمام شذى العطر من بعيد،قد يثير حواس رجال كثيرين،ويهيج أعصابهم،ويفتنهم فتنة جارفة لا يملكون لها ردا.
والقرآن يأخذ الطريق على هذا كله.لأن منزله هو الذي خلق،وهو الذي يعلم من خلق.وهو اللطيف الخبير.
وفي النهاية يرد القلوب كلها إلى اللّه ويفتح لها باب التوبة مما ألمت به قبل نزول هذا القرآن: «وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» .بذلك يثير الحساسية برقابة اللّه،وعطفه ورعايته،وعونه للبشر في ضعفهم أمام ذلك الميل الفطري العميق،الذي لا يضبطه مثل الشعور باللّه،وبتقواه.
وإلى هنا كان علاج المسألة علاجا نفسيا وقائيا.ولكن ذلك الميل حقيقة واقعة،لا بد من مواجهتها بحلول واقعية إيجابية ..هذه الحلول الواقعة هي تيسير الزواج،والمعاونة عليه مع تصعيب السبل الأخرى للمباشرة الجنسية أو إغلاقها نهائيا: « وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ،وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ.إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ - إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا - وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ - إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا - لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا.وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
إن الزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسية الفطرية.وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة.
فيجب أن تزول العقبات من طريق الزواج،لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها.والعقبة المالية هي العقبة الأولى في طريق بناء البيوت،وتحصين النفوس.والإسلام نظام متكامل،فهو لا يفرض العفة إلا وقد هيأ لها أسبابها،وجعلها ميسورة للأفراد الأسوياء.فلا يلجأ إلى الفاحشة حينئذ إلا الذي يعدل عن الطريق النظيف الميسور عامدا غير مضطر.
لذلك يأمر اللّه الجماعة المسلمة أن تعين من يقف المال في طريقهم إلى النكاح الحلال: «وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ،وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ.إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» ..
والأيامى هم الذين لا أزواج لهم من الجنسين ..والمقصود هنا الأحرار.وقد أفرد الرقيق بالذكر بعد ذلك: «وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ» .وكلهم ينقصهم المال كما يفهم من قوله بعد ذلك: «إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» ..
وهذا أمر للجماعة بتزويجهم.والجمهور على أن الأمر هنا للندب.ودليلهم أنه قد وجد أيامى على عهد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لم يزوجوا.ولو كان الأمر للوجوب لزوجهم.ونحن نرى أن الأمر للوجوب،لا بمعنى أن يجبر الإمام الأيامى على الزواج ولكن بمعنى أنه يتعين إعانة الراغبين منهم في