شديدا بالغا في شدته لا يعذبه أحدا من العالمين: «قالَ اللَّهُ:إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ،فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ،فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ» ..
فهذا هو الجد اللائق بجلال اللّه حتى لا يصبح طلب الخوارق تسلية ولهوا.وحتى لا يمضي الذين يكفرون بعد البرهان المفحم دون جزاء رادع! وقد مضت سنة اللّه من قبل بهلاك من يكذبون بالرسل بعد المعجزة ..فأما هنا فإن النص يحتمل أن يكون هذا العذاب في الدنيا،أو أن يكون في الآخرة.
ويسكت السياق بعد وعد اللّه وتهديده ..ليمضي إلى القضية الأساسية ..قضية الألوهية والربوبية ..وهي القضية الواضحة في الدرس كله ..فلنعد إلى المشهد العظيم فهو ما يزال معروضا على أنظار العالمين.لنعد إليه فنسمع استجوابا مباشرا في هذه المرة في مسألة الألوهية المدعاة لعيسى بن مريم وأمه.استجوابا يوجه إلى عيسى - عليه السّلام - في مواجهة الذين عبدوه.ليسمعوه وهو يتبرأ إلى ربه في دهش وفزع من هذه الكبيرة التي افتروها عليه وهو منها بريء: «وَإِذْ قالَ اللَّهُ:يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ،أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ:اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالَ:سُبْحانَكَ:ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ.إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ،تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ،إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ:أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ،وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ،فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ،وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ،وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..
وإن اللّه - سبحانه - ليعلم ماذا قال عيسى للناس.ولكنه الاستجواب الهائل الرهيب في اليوم العظيم المرهوب:الاستجواب الذي يقصد به إلى غير المسئول ولكن في صورته هذه وفي الإجابة عليه ما يزيد من بشاعة موقف المؤلهين لهذا العبد الصالح الكريم ..
إنها الكبيرة التي لا يطيق بشر عادي أن يقذف بها ..أن يدعي الألوهية وهو يعلم أنه عبد ..فكيف برسول من أولي العزم؟ كيف بعيسى بن مريم وقد أسلف اللّه له هذه النعم كلها بعد ما اصطفاه بالرسالة وقبل ما اصطفاه؟ كيف به يواجه استجوابا عن ادعاء الألوهية،وهو العبد الصالح المستقيم؟
من أجل ذلك كان الجواب الواجف الراجف الخاشع المنيب ..يبدأ بالتسبيح والتنزيه: «قالَ:سُبْحانَكَ!» .ويسرع إلى التبرؤ المطلق من أن يكون من شأنه هذا القول أصلا: «ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ» .ويستشهد بذات اللّه سبحانه على براءته مع التصاغر أمام اللّه وبيان خصائص عبوديته وخصائص ألوهية ربه: «إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ،تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ.إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» ..وعندئذ فقط،وبعد هذه التسبيحة الطويلة يجرؤ على الإثبات والتقرير فيما قاله وفيما لم يقله،فيثبت أنه لم يقل لهم إلا أن يعلن عبوديته وعبوديتهم للّه ويدعوهم إلى عبادته: «ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ:أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ» .