فهرس الكتاب

الصفحة 529 من 4997

ظلموا الحق فأنكروه.وظلموا أنفسهم فأوردوها موارد الهلاك.وظلموا الناس فصدوهم عن الهدى وفتنوهم عن الإيمان،وموهوا عليهم الطريق،وحرموهم الخير الذي لا خير مثله.خير السلم والرحمة والطمأنينة والصلاح واليقين.

إن الذين يحاربون حقيقة الإيمان أن تستقر في القلوب ويحاربون منهج الإيمان أن يستقر في الحياة ويحاربون شريعة الإيمان أن تستقر في المجتمع ..إنما هم أعدى أعداء البشرية وأظلم الظالمين لها.ومن واجب البشرية - لو رشدت - أن تطاردهم حتى يصبحوا عاجزين عن هذا الظلم الذي يزاولونه وأن ترصد لحربهم كل ما تملك من الأنفس والأموال ..وهذا هو واجب الجماعة المسلمة الذي يند بها إليه ربها ويدعوها من أجله بصفتها تلك ويناديها ذلك النداء الموحي العميق ..

الدرس الثالث:255 آية الكرسي - قواعد التصور الإيماني

وبمناسبة الاختلاف بعد الرسل والاقتتال،والكفر بعد مجيء البينات والإيمان ..بهذه المناسبة تجيء آية تتضمن قواعد التصور الإيماني،وتذكر من صفات اللّه سبحانه ما يقرر معنى الوحدانية في أدق مجالاته،وأوضح سماته.وهي آية جليلة الشأن،عميقة الدلالة،واسعة المجال: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ.لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ؟ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ،وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ.وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ،وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما.وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» ..

وكل صفة من هذه الصفات تتضمن قاعدة من قواعد التصور الإسلامي الكلية.ومع أن القرآن المكي في عمومه كان يدور على بناء هذا التصور،فإننا نلتقي في القرآن المدني كذلك في مناسبات شتى بهذا الموضوع الأصيل الهام.الذي يقوم على أساسه المنهج الإسلامي كله،ولا يستقيم هذا المنهج في الحس إلا أن يستقيم ذلك الأساس،ويتضح،ويتحول إلى حقائق مسلمة في النفس،ترتكن إلى الوضوح واليقين.

ولقد تحدثت فيما سبق عند تفسير سورة الفاتحة في أول الجزء الأول من هذه الطبعة من الظلال،عن الأهمية البالغة لوضوح صفة اللّه - سبحانه - في الضمير الإنساني.بما أن الركام الذي كان يرين على هذا الضمير من تصورات الجاهلية كان معظمه ناشئا من غموض هذه الحقيقة،ومن غلبة الخرافة والأسطورة عليها ومن الغبش التي يغشيها حتى في فلسفة أكبر الفلاسفة ..حتى جاء الإسلام فجلاها هذا الجلاء،وأنقذ الضمير البشري من ذلك الركام الثقيل،ومن ذلك الضلال والخبط في الظلماء! [1]

وكل صفة من هذه الصفات التي تضمنتها هذه الآية تمثل قاعدة يقوم عليها التصور الإسلامي الناصع،كما يقوم عليها المنهج الإسلامي الواضح.

(1) - تراجع صفحات 22 - 24 من الجزء الأول من الظلال - «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت