فهرس الكتاب
هذه السورة مكية،تعالج من موضوعات السور المكية قضية التوحيد،وقضية الوحي إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وقضية الحساب في الآخرة.وتعريض هذه القضايا الثلاث في مطلعها الذي يؤلف الشوط الأول منها.وهو الآيات الكريمة التي فوق هذا الكلام.وهي تمثل الدهش والاستغراب والمفاجأة التي تلقى بها كبار المشركين في مكة دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم إلى توحيد اللّه وإخبارهم بقصة الوحي واختياره رسولا من عند اللّه: «وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ،أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا:إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ.وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ:أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ.ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ.أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا؟» ..كما تمثل استهزاءهم واستنكارهم لما أوعدهم به جزاء تكذيبهم من عذاب: «وَقالُوا:رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ» ..
لقد استكثروا أن يختار اللّه - سبحانه - رجلا منهم،لينزل عليه الذكر من بينهم.وأن يكون هذا الرجل هو محمد بن عبد اللّه.الذي لم تسبق له رياسة فيهم ولا إمارة! ومن ثم ساءلهم اللّه في مطلع السورة تعقيبا على استكثارهم هذا واستنكارهم وقولهم: «أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا» ساءلهم: «أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ؟ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما؟ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ» ..ليقول لهم:إن رحمة اللّه لا يمسكها شيء إذا أراد اللّه أن يفتحها على من يشاء.وإنه ليس للبشر شيء من ملك السماوات والأرض،وإنما يفتح اللّه من رزقه ورحمته على من يشاء.وإنه يختار من عباده من يعلم استحقاقهم للخير،وينعم عليهم بشتى الإنعامات بلا قيد ولا حد،ولا حساب ..وفي هذا السياق جاءت قصة داود وقصة سليمان وما أغدق اللّه عليهما من النبوة والملك،ومن تسخير الجبال والطير،وتسخير الجن والريح،فوق الملك وخزائن الأرض والسلطان والمتاع.
وهما - مع هذا كله - بشر من البشر يدركهما ضعف البشر وعجز البشر فتتداركهما رحمة اللّه ورعايته،وتسد ضعفهما وعجزهما،وتقبل منهما التوبة والإنابة،وتسدد خطاهما في الطريق إلى اللّه.
وجاء مع القصتين توجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الصبر على ما يلقاه من المكذبين،والتطلع إلى فضل اللّه ورعايته كما تمثلهما قصة داود وقصة سليمان: «اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ..إلخ» ..
كذلك جاءت قصة أيوب تصور ابتلاء اللّه للمخلصين من عباده بالضراء.وصبر أيوب مثل في الصبر رفيع.وتصور حسن العاقبة،وتداركه برحمة اللّه،تغمره بفيضها،وتمسح على آلامه بيدها الحانية ..وفي