عرضها تأسية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين،عما كانوا يلقونه من الضر والبأساء في مكة وتوجيه إلى ما وراء الابتلاء من رحمة،تفيض من خزائن اللّه عند ما يشاء.
وهذا القصص يستغرق معظم السورة بعد المقدمة،ويؤلف الشوط الثاني منها.
كذلك تتضمن السورة ردا على استعجالهم بالعذاب،وقولهم: «رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ» ..فيعرض بها - بعد القصص - مشهد من مشاهد القيامة،يصور النعيم الذي ينتظر المتقين.والجحيم التي تنتظر المكذبين.ويكشف عن استقرار القيم الحقيقية في الآخرة بين هؤلاء وهؤلاء.حين يرى الملأ المتكبرون مصيرهم ومصير الفقراء الضعاف الذين كانوا يهزأون بهم في الأرض ويسخرون،ويستكثرون عليهم أن تنالهم رحمة اللّه،وهم ليسوا من العظماء ولا الكبراء.وبينما المتقون لهم حسن مآب «جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ،مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ.وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ» ..فإن للطاغين لشر مآب «جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ.هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ،وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ» ..وهم يتلاعنون في جهنم ويتخاصمون،ويذكرون كيف كانوا يسخرون بالمؤمنين: «وَقالُوا:ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ.أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ؟» فإنهم لا يجدونهم في جهنم.وقد عرف أنهم هنالك في الجنان! فهذا هو جواب ذلك الاستعجال والاستهزاء!
وهذا المشهد يؤلف الشوط الثالث في السورة.
كما يرد على استنكارهم لما يخبرهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أمر الوحي.ويتمثل هذا الرد في قصة آدم في الملأ الأعلى.حيث لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - حاضرا إنما هو إخبار اللّه له بما كان،مما لم يشهده - غير آدم - إنسان ..وفي ثنايا القصة يتبين أن الذي أردى إبليس،وذهب به إلى الطرد واللعنة،كان هو حسده لآدم - عليه السّلام - واستكثاره أن يؤثره اللّه عليه ويصطفيه.كما أنهم هم يستكثرون على محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يصطفيه اللّه من بينهم بتنزيل الذكر ففي موقفهم شبه واضح من موقف إبليس المطرود اللعين!
وتختم السورة بختام هذا الشوط الرابع والأخير فيها بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم:إن ما يدعوهم إليه لا يتكلفه من عنده،ولا يطلب عليه أجرا،وإن له شأنا عظيما سوف يتجلى: «قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ.وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ» ..
هذه الأشواط الأربعة التي تجري بموضوعات السورة هذا المجرى تجول بالقلب البشري في مصارع الغابرين،الذين طغوا وتجبروا واستعلوا على الرسل والمؤمنين،ثم انتهوا إلى الهزيمة والدمار والخذلان: «جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ.كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ.وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ.إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ» ..