فهرس الكتاب

الصفحة 3640 من 4997

الطريق.وغلبت الشقوة على سبأ،فلم ينفعهم النذير الأول ولم يوجههم إلى التضرع إلى اللّه،لعله يرد عليهم ما ذهب من الرخاء.بل دعوا دعوة الحمق والجهل: «فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا» ..

تطلبوا الأسفار البعيدة المدى التي لا تقع إلا مرات متباعدة على مدار العام.لا تلك السفرات القصيرة المتداخلة المنازل،التي لا تشبع لذة الرحلات!

وكان هذا من بطر القلب وظلم النفس: «وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» ..واستجيبت دعوتهم،ولكن كما ينبغي أن تستجاب دعوة البطر: «فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ» ..شردوا ومزقوا وتفرقوا في أنحاء الجزيرة مبددي الشمل وعادوا أحاديث يرويها الرواة،وقصة على الألسنة والأفواه.بعد أن كانوا أمة ذات وجود في الحياة. «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» ..يذكر الصبر إلى جوار الشكر ..الصبر في البأساء.والشكر في النعماء.وفي قصة سبأ آيات لهؤلاء وهؤلاء.

هذا فهم في الآية.وهناك فهم آخر.فقد يكون المقصود بقوله: «وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً» ..أي قرى غالبة ذات سلطان.بينما تحول سبأ إلى قوم فقراء،حياتهم صحراوية جافة.وكثرت أسفارهم وانتقالاتهم وراء المراعي ومواضع الماء.فلم يصبروا على الابتلاء .وقالوا: «رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا» ..أي قلل من أسفارنا فقد تعبنا.ولم يصحبوا هذا الدعاء باستجابة وإنابة للّه تستحق استجابته لدعائهم.وكانوا قد بطروا النعمة،ولم يصبروا للمحنة.ففعل اللّه بهم ما فعل،ومزقهم كل ممزق فأصبحوا أثرا بعد عين،وحديثا يروى وقصة تحكى ..ويكون التعقيب: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» ..مناسبا لقلة شكرهم على النعمة،وقلة صبرهم على المحنة ..وهو وجه رأيته في الآية واللّه أعلم بمراده.

الدرس الرابع:20 - 21 سبب هلاك سبأ متابعتهم للشيطان

وفي ختام القصة يخرج النص من اطار القصة المحدود،إلى اطار التدبير الإلهي العام،والتقدير المحكم الشامل،والسنة الإلهية العامة ويكشف عن الحكمة المستخلصة من القصة كلها،وما يكمن فيها وخلفها من تقدير وتدبير: «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ.إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ.وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ» ..

لقد سلك القوم هذا المسلك،الذي انتهى إلى تلك النهاية،لأن إبليس صدق عليهم ظنه في قدرته على غوايتهم،فأغواهم، «فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» ..كما يقع عادة في الجماعات فلا تخلو من قلة مؤمنة تستعصي على الغواية وتثبت أن هنالك حقا ثابتا يعرفه من يطلبه ويمكن لكل من أراد أن يجده وأن يستمسك به،حتى في أحلك الظروف.وما كان لإبليس من سلطان قاهر عليهم لا يملكون رفعه.فليس هنالك قهر لهم منه ولا سيطرة عليهم له.إنما هو تسليطه عليهم ليثبت على الحق من يثبت،وليزيغ منهم من لا يبتغي الحق ويتحراه.وليظهر في عالم الواقع «مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ» فيعصمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت