فهرس الكتاب

الصفحة 631 من 4997

الشديد: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا:سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ.قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا:فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ،يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ.وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ.إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ» ..

وقوله تعالى: «يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ» يحتمل تفسيرين:فإما أن يكون ضمير «يرون» راجعا إلى الكفار،وضمير «هم» راجعا إلى المسلمين،ويكون المعنى أن الكفار على كثرتهم كانوا يرون المسلمين القليلين «مِثْلَيْهِمْ» ..وكان هذا من تدبير اللّه حيث خيل للمشركين أن المسلمين كثرة وهم قلة،فتزلزلت قلوبهم وأقدامهم.وإما أن يكون العكس،ويكون المعنى أن المسلمين كانوا يرون المشركين «مِثْلَيْهِمْ» هم - في حين أن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم - ومع هذا ثبتوا وانتصروا.

والمهم هو رجع النصر إلى تأييد اللّه وتدبيره ..وفي هذا تخذيل للذين كفروا وتهديد.كما أن فيه تثبيتا للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم فلا يرهبونهم ..وكان الموقف - كما ذكرنا في التمهيد للسورة - يقتضي هذا وذاك ..وكان القرآن يعمل هنا وهناك ..

وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة.وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة ..إن وعد اللّه بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج اللّه،قائم في كل لحظة.ووعد اللّه بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها - قائم كذلك في كل لحظة.وتوقف النصر على تأييد اللّه الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ،وسنة ماضية لم تتوقف.

وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة وتثق في ذلك الوعد وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة وتصبر حتى يأذن اللّه ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم اللّه،المدبر بحكمته،المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة.

«إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ» ..ولا بد من بصر ينظر وبصيرة تتدبر،لتبرز العبرة،وتعيها القلوب.وإلا فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار!.

الدرس الثالث:14 - 17 تربية القرآن للنفس البشرية

وفي مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف إذا لم تضبط باليقظة الدائمة وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى وإذا لم تتعلق بما عند اللّه وهو خير وأزكى.

إن الاستغراق في شهوات الدنيا،ورغائب النفوس،ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه اللّه في هذا الملك العريض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت