إن التجربة تتكرر. وكأن إبراهيم لم ير القمر قط ولم يعرف أن أهله وقومه يعبدونه! فهو الليلة في نظره جديد: «قالَ:هذا رَبِّي» ..بنوره الذي ينسكب في الوجود وتفرده في السماء بنوره الحبيب .. ولكنه يغيب! .. والرب - كما يعرفه إبراهيم بفطرته وقلبه - لا يغيب! هنا يحس إبراهيم أنه في حاجة إلى العون من ربه الحق الذي يجده في ضميره وفطرته. ربه الذي يحبه،ولكنه بعد لم يجده في إدراكه ووعيه .. ويحس أنه ضال مضيع إن لم يدركه ربه بهدايته. إن لم يمد إليه يده.
ويكشف له عن طريقه: «قالَ:لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ» ..
«فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ:هذا رَبِّي. هذا أَكْبَرُ. فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ:يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا،وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» .
إنها التجربة الثالثة مع أضخم الأجرام المنظورة وأشدها ضوءا وحرارة .. الشمس .. والشمس تطلع كل يوم وتغيب. ولكنها اليوم تبدو لعيني إبراهيم كأنها خلق جديد. إنه اليوم يرى الأشياء بكيانه المتطلع إلى إله يطمئن به ويطمئن إليه ويستقر على قرار ثابت بعد الحيرة المقلقة والجهد الطويل:
«قالَ:هذا رَبِّي. هذا أَكْبَرُ» .ولكنها كذلك تغيب ..
هنا يقع التماس،وتنطلق الشرارة،ويتم الاتصال بين الفطرة الصادقة واللّه الحق،ويغمر النور القلب ويفيض على الكون الظاهر وعلى العقل والوعي .. هنا يجد إبراهيم إلهه .. يجده في وعيه وإدراكه كما هو في فطرته وضميره .. هنا يقع التطابق بين الإحساس الفطري المكنون والتصور العقلي الواضح ..
وهنا يجد إبراهيم إلهه. ولكنه لا يجده في كوكب يلمح،ولا في قمر يطلع،ولا في شمس تسطع ..
ولا يجده فيما تبصر العين،ولا فيما يحسه الحس .. إنه يجده في قلبه وفطرته،وفي عقله ووعيه،وفي الوجود كله من حوله .. إنه يجده خالقا لكل ما تراه العين،ويحسه الحس،وتدركه العقول.
وعندئذ يجد في نفسه المفاصلة الكاملة بينه وبين قومه في كل ما يعبدون من آلهة زائفة ويبرأ في حسم لا مواربة فيه من وجهتهم ومنهجهم وما هم عليه من الشرك - وهم لم يكونوا يجحدون اللّه البتة،ولكنهم كانوا يشركون هذه الأرباب الزائفة - وإبراهيم يتجه إلى اللّه وحده بلا شريك: «قالَ:يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ..فهو الاتجاه إلى فاطر السماوات والأرض. الاتجاه الحنيف الذي لا ينحرف إلى الشرك. وهي الكلمة الفاصلة،واليقين الجازم،والاتجاه الأخير .. فلا تردد بعد ذلك ولا حيرة فيما تجلى للعقل من تصور مطابق للحقيقة التي في الضمير ..
ومرة أخرى نشهد ذلك المشهد الرائع الباهر .. مشهد العقيدة وقد استعلنت في النفس،واستولت على القلب،بعد ما وضحت وضوحها الكامل وانجلى عنها الغبش .. نشهدها وقد ملأت الكيان