حان الموعد الذي اقتضته مشيئته،أعاده إلى الحياة لما يراد به من الأمر: «ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ» ..فليس متروكا سدى،ولا ذاهبا بلا حساب ولا جزاء ..فهل تراه تهيأ لهذا الأمر واستعد؟
«كَلَّا! لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ» ..الإنسان عامة،بأفراده جملة،وبأجياله كافة ..لما يقض ما أمره ..إلى آخر لحظة في حياته.وهو الإيحاء الذي يلقيه التعبير بلما.كلا إنه لمقصر،لم يؤد واجبه.لم يذكر أصله ونشأته حق الذكرى ..ولم يشكر خالقه وهاديه وكافله حق الشكر.ولم يقض هذه الرحلة على الأرض في الاستعداد ليوم الحساب والجزاء ..
هو هكذا في مجموعه.فوق أن الكثرة تعرض وتتولى،وتستغني وتتكبر على الهدى!
وينتقل السياق إلى لمسة أخرى في مقطع جديد ..فتلك هي نشأة هذا الإنسان ..فهلا نظر إلى طعامه وطعام أنعامه في هذه الرحلة؟ وهي شيء واحد من أشياء يسرها له خالقه؟
«فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ.أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا.ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا.فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا،وَعِنَبًا وَقَضْبًا.وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا.وَحَدائِقَ غُلْبًا.وَفاكِهَةً وَأَبًّا.مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ» ..
هذه هي قصة طعامه.مفصلة مرحلة مرحلة.هذه هي فلينظر إليها فهل له من يد فيها؟ هل له من تدبير لأمرها؟ إن اليد التي أخرجته إلى الحياة وأبدعت قصته،هي ذاتها اليد التي أخرجت طعامه وأبدعت قصته .. «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ» ..ألصق شيء به،وأقرب شيء إليه،وألزم شيء له ..لينظر إلى هذا الأمر الميسر الضروري الحاضر المكرر.لينظر إلى قصته العجيبة اليسيرة،فإن يسرها ينسيه ما فيها من العجب.وهي معجزة كمعجزة خلقه ونشأته.وكل خطوة من خطواتها بيد القدرة التي أبدعته: «أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا» ..وصب الماء في صورة المطر حقيقة يعرفها كل إنسان في كل بيئة،في أية درجة كان من درجات المعرفة والتجربة.فهي حقيقة يخاطب بها كل إنسان.فأما حين تقدم الإنسان في المعرفة فقد عرف من مدلول هذا النص ما هو أبعد مدى وأقدم عهدا من هذا المطر الذي يتكرر اليوم ويراه كل أحد.
وأقرب الفروض الآن لتفسير وجود المحيطات الكبيرة التي يتبخر ماؤها ثم ينزل في صورة مطر،أقرب الفروض أن هذه المحيطات تكونت أولا في السماء فوقنا ثم صبت على الأرض صبا! وفي هذا يقول أحد علماء العصر الحاضر:«إذا كان صحيحا أن درجة حرارة الكرة الأرضية وقت انفصالها عن الشمس كانت حوالي 12000 درجة.أو كانت تلك درجة حرارة سطح الأرض.فعندئذ كانت كل العناصر حرة.ولذا لم يكن في الإمكان وجود أي تركيب كيميائي ذي شأن.ولما أخذت الكرة الأرضية،أو الأجزاء المكونة لها في أن تبرد تدريجيا،حدثت تركيبات،وتكونت خلية العالم كما نعرفه.وما كان للأكسيجين والهيدروجين أن يتحدا إلا بعد أن هبطت درجة الحرارة إلى 4000 درجة فارنهايت.وعند هذه النقطة اندفعت معا تلك العناصر،وكونت الماء الذي نعرفه الآن أنه هواء