فهرس الكتاب
الذي أودعه هذا الكون.ولكن كل ظاهرة وكل حدث في هذا الكون لا يقع بأية حتمية إنما يقع وفق قدر خاص به.بلا تعارض بين ثبات الناموس وجريان المشيئة بقدر خاص لكل حدث ..كذلك نحن نعلم علم اليقين أن اللّه سبحانه يجري في حالات معينة أقدارا معينة بأحداث معينة لوجهة معينة.وليس من الضروري أن يكون ذلك الذي دمر قرى لوط زلزال أو بركان عادي فقد يريد اللّه أن ينزل بهم ما يشاء،وقتما يشاء،فيكون ما يشاء،وفق ما يشاء ..وهذا هو المنهج الإيماني في تفسير معجزات الرسل أجمعين ..
وقرى لوط تقع في طريق مطروق بين الحجاز والشام يمر عليها الناس.وفيها عظات لمن يتفرس ويتأمل،ويجد العبرة في مصارع الغابرين.وإن كانت الآيات لا تنفع إلا القلوب المؤمنة المتفتحة المستعدة للتلقي والتدبر واليقين: « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ.وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [1] .إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ» ..
وهكذا صدق النذير،وكان نزول الملائكة إيذانا بعذاب اللّه الذي لا يرد ولا يمهل ولا يحيد.
كذلك كان الحال مع قوم شعيب - أصحاب الأيكة [2] - ومع قوم صالح - أصحاب الحجر: «وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ.وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ.وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ،فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» ..
وقد فصل القرآن قصة شعيب مع قومه:أهل مدين وأصحاب الأيكة في مواضع أخرى.فأما هنا فيشير إشارة إلى ظلمهم وإلى مصرعهم تصديقا لنبأ العذاب،في هذا الشوط،ولإهلاك القرى بعد انقضاء الأجل المعلوم الوارد في مطالع السورة.ومدين والأيكة كانتا بالقرب من قرى لوط.والإشارة الواردة هنا ..
«وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ..» قد تعني مدين والأيكة،فهما في طريق واضح غير مندثر،وقد تعني قرى لوط السالفة الذكر وقرية شعيب،جمعهما لأنهما في طريق واحد بين الحجاز والشام.ووقوع القرى الداثرة على الطريق المطروق أدعى إلى العبرة،فهي شاهد حاضر يراه الرائح والغادي.والحياة تجري من حولها وهي داثرة كأن لم تكن يوما عامرة.والحياة لا تحفلها وهي ماضية في الطريق!
الدرس الرابع:80-84 قصة أصحاب الحجر
(1) - طريق باق لم يندثر. ( السيد رحمه الله )
(2) - الشجر الملتف الكثيف. وقد أرسل شعيب إلى أصحاب الأيكة وإلى أهل مدين. ( السيد رحمه الله )